فإبصار القلب تابع لقوة الفقه ونور الإيمان ومقدارهما، وكلما كان الأمر المختلف يه من سياسة الدعوة لا يضبطه نص واضح، ويلزم فيه الرجوع إلى القواعد العامة وقواعد جلب المصالح وسد المفاسد وأبواب الشبهات: كان استنباط الفقه فيه أصعب، والفتوى به تحليلا وتحريما، أو استحبابا وكراهة: أشد صعوبة، لأن التأويل له مجال في الحكم آنذاك، ولو نظرنا إلى فقهاء القرون الأولى لوجدنا أنهم ألزموا أنفسهم باحتياطات كثيرة في هذه الأبواب من السياسة الشرعية، ومع ذلك أخطأ بعضهم وأتي بالغريب الذي يأباه جمهور الفقهاء، فكيف بنا نحن في هذا الزمن المتأخر؟
ثم أتم الإمام البنا رحمه الله فقه الأوائل، فوضع أصولا صحيحة لسير الدعوة ومراحلها، ومفاهيم عامة تحدد إطار الفكرة وأساليب التعبير، وتلبس الرعيل الأول الذين معه بكل ذلك، وبإرشاده: أطالوا مرحلة التربية، وجردوا الدعوة على أساس عقائدي، وابتعدوا عن التحالف مع الأحزاب، وحذروا أن يقعوا في هيمنة الكبراء. غير أن البعض دخلوا باب التأ,يل تدريجا، ومالوا عن التربية الأصيلة المعهودة إلى استعجال يضطرون معه إلى تساهل في توثيق الرجال، فأبعدتهم تأويلاتهم عن جوهر الدعوة الذي عرفت به، كما أبعدت سلفهم في صدر الإسلام عن جوهر الإسلام، مع غلبة الورع آنذاك.
ومثلما رأينا انتصار صاحب كل تأويل إلى تأويله حين أنكر عليهم جمهور التابعين والفقهاء، فنشأ القول بالقدر والتجهم والاعتزال والإرجاء والخروج، نرى اليوم تواصيا لمتأولة، ونشوء فقه غريب يجيز باسم مصلحة الدعوة تجهما في الوجه، وتهجما في اللسان، واعتزالا للعمل، وخروجا عن البيعة، لا يدرون أن ذلك ما هو بالجديد.
سواد ينتشر
ولتحذير هذا المعدن الأول الآخر، القديم، الجديد: ضرب الله مثلا، فأمرنا أولا بالوفاء فقال: