"وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ".
(والوفاء بعهد الله يشمل بيعة المسلمين للرسول -صلى الله عليه وسلم- ويشمل كل عهد على معروف يأمر به الله) (1) .
ثم قال لمن له قلب يحذر:
(وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ ) .
(فمثل من ينقض العهد مثل امرأة حمقاء ملتاثة ضعيفة العزم والرأي، تفتل غزلها، ثم تنقضه مرة أخرى قطعا منكوثة ومحلولة) (2) .
ويجئ كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- يبين أمثال الله تعالى التي يضربها للناس، ويوضح أنها مسألة استعداد في بعض القلوب لقبول الافتتان، فمن الناس من جعل الله فيه فطرة صالحة تنكر الفتن، ومنهم من يأبى بعض الهداية فيضله الله، فمن أباها ابتداء: أباها انتهاء،÷ ومن رحب بها ابتداء: طبعت في قلبه سوادًا يظل يتسع حتى يتم أسوداده مع نهايتها، كما ورد في الحديث الصحيح عند مسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:
(تعرض الفتن على القلوب كالحصير، عودا عودًا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبيين، على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًأ، كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه) (3) .
(1) الظلال 14/93.
(2) الظلال 14/94.
(3) صحيح مسلم 1/89، وقوله: أسود مربادًا، أي شدة البياض في سواد، وقوله: مجخيا، أي منكوسا، وفي زهد ابن المبارك 504 قوله لعلي رضي الله عنه يقرب من هذا الحديث.