أول قل: يحتاج إلى النصيحة الصريحة، والتي لصراحتها يراها البعض غليظة.
وليست هذه الصراحة عند ذي اللب والإيمان مما ينكر علينا، وهي عنده من العدوان عليه، بل هي من تمام الحب له والشفقة عليه، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وربما يتغلب شيطان على داعية في ظرف شبهة فيفقده اتزانه، فهو بحاجة من بعد إلى نصح وتذكير بالموازين.
ومن هنا كان خير الدعاة: أبذلهم للنصيحة، وأكثرهم إذاعة بها.
ويقارنه في درجته: أحملهم لغلظة لنصيحة، وأعظمهم قبولا لها.
رسالتان
ولقد كانت يوما ما قصة نصح، عبر رسالة، من صاحب خير من هؤلاء الدعاة، قابلتها قصة صحوة واعتذار، من جواد كانت له كبوة.
وفي القصص لأولى القلوب الحية مواعظ وعبر، وربما تنبه مخطئ إذا روبت له، فيكون له فيها بعض مزدجر.
وتبدأ القصة بهفوة من داعية، بعد دهر من الحب، يترك معها الجماعة، ويخلع البيعة وينشر قيل وقال، فيعاقبه أميره، ويعاتبه، ويذكره بتفاهة الدنيا، ويكتب إليه أن:
(بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين:
أما بعد أيها الأخ هدانا الله وإياك.
فإنه مما أدركنا من كلام السلف الأول أن الله تعالى إذا أراد بعبد من عباده خيرًا: جعل فيه ثلاث خصال:
الفقه في الدين.
والزهادة في الدنيا.
والبصر بعيوبه.
وأود أن نتصارح اليوم ونتكاشف، لعل الله يجعل لك بعد ذلك من أمرك رشدًا ويسرًا، فترجع إلى سربك، وتحفظ ذخيرة أسلفتها من ضياع يهددها.
أدعوك إلى أن ترجع بذاكرتك إن استطعت إلى أول هذا الخلاف الذي تدندن فيه، وأن تخبر قلبك بصدق عما سترى.
سترى أن بداية ما تلح فيه كانت كلمة همس، وضعها واضع في أذنك، فغلي بها صدرك.
وما إخالك تستطيع نسبة شيء من الاجتهاد في أمور الدعوة مما تخالفنا فيه إلى نفسك قبل تلك الهمسة.
افترضي أن تسلب ذاتك استقلالها بهذه البساطة، ثم يضيق صدرك إن ذكرناك وعاتبناك؟
كلا أيها الأخ، كلا.