وهل أسطع من هالة شمس هذه الدعوة التي هو فيها، وأنصع بياضًا، وأشد لألأة؟
بداية شجاعة ملأت الفراغ...
وجهاد يهود والإنكليز...
وشباب حفظته من الضياع...
وفكر إتباعي لم تدنسه بدعة أو فلسفة....
ومحن تجددت فيها سنن الثبات...
ونصر من بعد كل ذلك ينادي، ما كان يوما ما بعيدًا، ولكن اشترط أن تمد له يد العاملين وتسعى إليه صفوف المنتظمين.
فمن لم ير هذه الشموس: تركناه إلى ظلامة وإن كان عفيفا طاهر الجوارح، حفظا لسمعة الصف المستقيم السائر، واتباعا لوصية ذلك الشيخ الفاضل الذي حذر الإمام البنا، منذ أول أيام الدعوة، من (الصالح الذي لا يحترم النظام ولا يقدر معنى الطاعة، فإن هذا ينفع منفردًا، وينتج في العمل وحده، ولكنه يفسد نفوس الجماعة: يغريها بصلاحه، ويفرقها بخلافه) .
قال(فإن استطعت أن تستفيد منه وهو بعيد عن الصفوف فافعل، وإلا فسد الصف واضطرب. والناس إذا رأوا واحدًا خارج الصف لا يقولون: خرج واحد، ولكن يقولون: صف أعوج.
فاحترس من هذا كل الاحتراس) (1) .
فهذا إذا كان صالحا لا يحترم النظام، فكيف به إن كانت تسيره الشهوات؟
عقل تصرعه الشهوة!
الخطب أعظم حين ذاك، حيث تتعطل القلوب عن وعيها، والعقول عن موازينها.
ولاخطار مثل هذه الحالة: لفت الفقيه الوزير العباسي ابن هبيرة الدوري أنظارنا، فقال: (احذروا مصارع العقول، عند التهاب الشهوات) (2) .
وسماه: مصرع العقل، للدلالة على أن مراده يتجاوز مجرد مصرع البدن بالزنا وأمثاله، وأنه يعني ما هنالك من حب رياسة، وهوى انتصار للنفس، تفقد العقول معها فطرتها التي تسوقها إلى تحري المصالح ودرء المفاسد.
وصريع الشهوة لا تنفع معه مجرد تلك الربتة التي ربتناها على كتفا اليائس، وإنما يحتاج إلى هذا، في لوم يوقظه من سنة النوم.
فمن يلق خيرًا: يحمد الناس أمره
ومن يغو: لا يعدم على الغي لائما
(1) مذكرات الدعوة والداعية/88.
(2) ذيل طبقات الحنابلة 1/275.