الصفحة 115 من 172

وهذا لعمرو الله هو الفقه الأعوج الأعرج، فإن تلك أمة قد خلت لها ما كسبت، ولنا ما نكسب، ولا نسأل عما كانوا يعملون، وهذا المجادل لم يفطن إلى أن الخطأ لا يصلح أن يقتدى به، وأن الشر لا يقلد، وأن جمهور المهاجرين والأنصار لبثوا في ساعة العسرة على الطاعة والولاء لعثمان، لكنه منعهم من الدفاع عنه.

ولمثل هذا اشترطوا الورع للفقيه، كي ريه نور ورعه عوار الحجة الكاذبة الساترة لخطلها، وشبهوا نموذج الفقيه الفطن بالتابعي محمد بن سيرين، وذلك حين جزم مورق العجلي أنه لم ير:

(رجلا أفقه في ورعه، ولا أورع في فقه، من محمد بن سيرين) (1) .

فالورع لابد له من فقه يعصم صاحبه من الابتداع ومجانبة السنة، كما أن الفقه لابد له من ورع يبعد المتفقه عن الهوى في الاجتهاد أو الوقوع في تغرير الزلة.

فأفعال الرجال معروفة، منها المنتصبة انتصاب المنار، تدعو المشمرين لاقتداء، فيعرفونها، ومنها المائلة العوجاء.

وذو الصدق لا يرتاب، والعدل قائم

على طرقات الحق، والشر أعوج

فأنظر، إن كان ثمة توسع في التأويل، وإكثار من الغرائب، فإن الفقه يوشك أن يولد كسيحًا، وإن كان هناك الذي تعلمه من صحيحيك، وفكرة تراها ترتقي مدراجك، وتتفيا ظلالك، فإنه فجر جديد يبشر ببزوغ:

النور التاسع عشر: الحاث على:

الاعتبار باستكبار الشرع لتعرب المهاجر

فتكون لنا عبرة وموعظة بما أخرجه البخاري في صحيحه عن التابعي يزيد بن أبي عبيد أن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه دخل مسجد الكوفة آتيا من مسكنه في البادية، فقال له الحجاج بن يوسف الثقفي:

(يا أبن الأكوع: ارتددت على عقبيك؟ تعربت؟

قال: لا، ولكن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- أذن لي في البدو) (2) .

(1) تهذيب التهذيب 9/215.

(2) صحيح البخاري 9/66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت