ثم أن الناكث يقع رابعا في إثم انتصابه قدوة سيئة لغيره يشجع من بعده على تقليده، وتسويغ النكث احتاجًا بسابقته.
نطيع الله في العاصي
ومن هنا كانت عقوبة الناكث بليغة في العرف العملي، ووجب على الدعاة أن لا يأتمنوا ناكثا نقض عهدًا، بل يجردونه مما هو فيه من العمل حتى يحدث لنفسه توبةتصدقها استقامة دهر بعد إعلانها.
لسنا نبتدع ذلك، وإنما هي قاعدة وضعها التابعي الكوفي سليمان بن مهران الأعمش، فقال:
(أعظم الخيانة: أداء الأمانة إلى الخائنين) .
فالمشاركة في العمل شرف وأمانة لا تنبغي لغير ملتزم، فضلا عن أن يكون رأسا ووجها، ومنعه هاهنا باب آخر من أبواب التقوى دلنا عليه الزاهد عمر بن ذر رحمه الله فقال:
(إنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه) .
فمن عصى الله فينا، ينقض عهده معنا، وإطلاق لسانه فينا، نكافئه بأن نطيع الله فيه ونصنفه في الخالفين.
أم الذين يصدقون الوعد، ويخطون خطو الصعود، فيحتلون القلب احتلالا.
أولئك إخواني الذين أحبهم……وأؤثرهم بالود من بين إخواني
وما منهم إلا كريم مهذب……حبيب إلى إخوانه غير خوان
ومكافأتهم أن نأخذ بأيديهم، لنمضى سوية ومعًا في طريق الأنوار اللاحب، ونمر بهم على:
النور الثامن عشر، لينبهم إلى:
خطأ الاحتجاج بزلات السلف
بل نهدرها هدرًا، فإن العصمة لم تكتب لهم وإن كانوا نجباء، فإن مما أدخل الفساد على الخلق في مشاهدات ذي النون المصري الزاهد إنهم:
(جعلوا قليل زلات السلف حجة أنفسهم، ودفنوا كثير مناقبهم) (1) .
وصدق والله، إذ رأينا ما رأى، كأن سمت الناكثين على مدار التاريخ واحد متشابه، وراقبنا فتنة جادل المفتتن فيها أميره، ورد عتبة، فقال:
أنت لست أفضل من عثمان رضي الله عنه حتى تحرم الخروج عليك، ولا أنا وصحبي أفضل من فلان وفلان ممن خرج على عثمان حتى نتنزه عن فعل فعلوه.
(1) الغنية لعبد القادر الكيلاني 2/184.