الصفحة 113 من 172

وهذه البيعة المعروفة الآن في الدعوة، والتي توجب حقوقا لمن بويع وبايع بالتبادل، وقفا لشروط تفصيلية، إنما هي البيعات التي يجب الوفاء بها شرعًا، إذ المؤمنون عند شروطهم، وقد ألزم الدعاة أنفسهم بها عن رضا كامل واختيار، وقبلوا الحد من بعض حريتهم في الاجتهاد تمكينا لممارسة عمل جماعي لا تتحقق آمال الدعاة في استئناف الحياة الإسلامية وتحقيق مصالح الأمة إلا بواسطته، ولا يستمر إلا بمثل هذا الحد من حرية المشارك فيه وتفويض قادته صلاحية الأمر ومنحهم الطاعة، وكلام ابن تيمية في أول الجزء التاسع والعشرين من مجموع فتاويه عن القواعد الفقهية العامة التي تحكم شروط المسلمين في عقودهم وبيوعهم ليس فيه ما يمنع من العمل بهذه الشروط الرضائية التي يوجبها الداعية علىنفسه بكامل اختياره طمعا في أجر العمل الجماعي وثوابه، ورغبة فيا لوصول إلى استدراك سريع لحال الأمة يبرد لذعات قلبه اليومية التي تسببها المآسي المتكررة، والفجائع المؤلمة، ابتداء بضياع فلسطين، ومجازر زنجبار وقبرص وأرتريا والفلبين، ومرورًا بصراع القوميات الدموي في البنغال وديار الأكراد، وانتهاء بخطط الماسونية والتنصير وتمكين المماليك.

والحقيقة أن ناكث البيعة يوقع نفسه في جملة أمور رديئة حتى ولو اعتزل ولم يؤذ جماعة العاملين:

فهو واقع في إثم عدم الوفاء بالعهد، وعلى مقربة من خصله من النفاق بغيضة، فإن المنافق إذا عاهد غدر، وأقل ما يقال في هذا العهد الذي أعطاه أنه آكد من النذر الذي ينذره على نفسه، والنذرواجب الوفاء، يشغل الذمة بمجرد النطق.

وهو واقع أيضا في أثم النكوث على العقب، المذموم في القرآن، فليس هو مجرد وقوف سلبي لا يتقدم بوفاء ولا يزداد من الخيرات، وإنما هو رجوع أيضًا يستهلك ما أدخره من حسنات.

كما أنه قد دخل في سنة نافلة تطوع بها إن لم نقل بوجوب العمل الجماعي، والمتطوع بسنة عليه أن يتمها كما يقول جمهور الفقهاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت