الصفحة 116 من 172

والحجاح يشير هنا إلى حكم شرعي صادق فيه، فإن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- نهى عن رجوع المهاجر إلى البادية والصحراء وعيشه عيشة الأعراب، ولذلك لم ينكر عليه سلمة بن الأكوع قوله هذا، وإنما بين له أنه استأذن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- باستثنائه من ذلك والترخيص له، فأذن له.

قال الحافظ ابن حجر:

(إن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- عد من جملة أصحاب الكبائر من رجع بعد هجرته أعرابيًا) ز

ثم قال:

(وقال ابن الأثير في النهاية: كل من رجع بعد هجرته أعرابيًا إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد) (1) .

ويشهد لهذا الحكم أيضًا ما أخرجه عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو أحد فقهاء التابعين، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يقول:

(رجعة المهاجر على عقبيه من الكبائر) (2) .

ويشهد له أيضًا ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد بسند على شرط صحيحه سوى رجل ثقة اشترطوا لتصحيح حديثه وجود شاهد متابع له، وقد شهد له من ذكرنا، أن أبا هريرة رضي الله عنه عدد الكبائر فذكر منهن:

(الأعرابية بعد الهجرة) (3) .

وصرح الفقيه العلائي من الشافعية بأنها كبيرة (4) .

وفي سنن سعيد بن منصور، بسند صحيح لكنه مرسل، أن النبي -صلي الله عليه وسلم- نهى: (أن يتزوج الأعرابي المهاجرة يخرجها إلى الأعراب) (5) .

فهذه الروايات تتضافر على تصحيح حكم النهي عن تعرب المهاجر وسكناه البادية، منعزلا عن مجتمع الجهاد والعمل.

ولا شك أن حكم الردة أو اعتبار التعرب كبيرة حكم خاص بجيل المهاجرين ذاك، ولكن القلب يدرك أن النهي ما كان إلا ليستمر المهاجرون، من قريش وغيرها، في العمل الجماعي والفتوح وتعليم التابعين وإدارة الدولة المتوسعة.

(1) فتح طبعة بولاق 13/34.

(2) كتاب الزهد لابن المبارك/251.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت