إن هذه الظاهرة في عمل القلوب وطبائعها تفسر لنا بعض جوانب ما نرى في عمل الدعوات الإسلامية من جناية الأخطاء التخطيطية والتربوية على أمثال هؤلاء الشباب الدعاة، ولعل البعض يظن أن أمر تصويبها يحتاج إلى معادلات وإحصاءات وخطوط بيان، بينما هو أقرب من ذلك لمن جرب عن كثب، إذ يمكنه أن يتناوش التصويب من خلال معرفة بسيطة بسياسة القلوب، ليست بنائية عنه، ولا هي في مكان بعيد.
إن قرة عين الدعاة برؤية زمرة القلب الواحد، والانغماس فيها، تجر جرًا إلى تلمس ما فعله ضعف التربية بالأمس من فتن ولدت ذهولا عن قواعد التعامل الإيماني، وجفل خلالها الأنصار.
ولابد أن نراجع أنفسنا ونستدرك نقصنا، بجولة إيمانية طويلة نصفي فيها عقائدنا ونزيد عبادتنا، ونسمو بأخلاقنا وأذواقنا، ونثبت قلوبنا، ونجرد دعوتنا للآخرين على أساس عقائدي إيماني يزهد بنا معها الطامع والمستعجل، ومتقلب القلب.
ريث يوحي
إنها ليست بدائية الأسلوب، ولا بداوة المحيط، جعلتا دعوة كل الأنبياء عليهم السلام تركز على معنى التوحيد، وتدندن حوله، وتتممه بمكارم الأخلاق.
كلا إنهم .... ليسوا كما يظن المستعجلون.
إنها حكمة الله جعلتهم يعلمون أتباعهم الريث والاحتجاب التربوي، وفصاحة اللغة القلبية.
وهو حب الله، يروونه ويبشرون به من يكون حليما متأنيا، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- للأشج رضي الله عنه رئيس قبيل عبد القيس:
"إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة" (1) .
فحلم الحليم حصانة له ضد الافتتان يعصمه من الغضب والانتصار للنفس، فيلزم العدل في أحكامه، وأما تأني المتأني فأظهر في تأديته إلى العصمة، إذ يمنح فرصة للتأمل والقياس، فيزول الإلتباس.
وإنها فطنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- حين رأي تكرر الآيات التي تذم المتكبرين، فراح يعلم الأجيال مقاصد القرآن، فقال:
"الكبر: بطر الحق، وغمط الناس" (2) .
(1) صحيح مسلم 1/37/65.
(2) صحيح مسلم 1/37/65.