الصفحة 10 من 172

وبهذا التخوف من العبد الرحيم، وإيراده احتمال ذهول التابع، حازت بحوث فقه الدعوة مسوغا وسببا مقبولا لأن تخاطب الحين بعد الحين كل داعية، تحذره الغفلة وبطء الوفاء، فإن من هو خير منه قد خوطب بمثل ذلك وجرى معه الحوار، ولم يك عاصيا إذ ذاك، ولا أظهر استغرابا ولا كان قد حار.

إن الطاعة ليست بدعة نتنادى لها اليوم، ولكنها المذهب القديم الذي أعلنه موسى عليه السلام، فأداه فنه في الطاعة إلى فن في القيادة سديد.

ألا وأن أزمة الإسلام ومشكلته الحاضة تكمن في حاجته إلى القادة، ولن يصل مخلص إلى وعي فن القيادة حتى تتعود قدمه المشي في درب الطاعة اللاحب السليك.

لذة تغري القلب فيتورط

ويتساءل البعض عن شباب ناشئة، امتلأت قلوبهم أول مقدمهم الدعوة إيمانًا ومحبة وأخوة وحماسة، فلما لبثوا سنوات، بردت حماستهم واختلفت آراؤهم وخرجوا إلى تعصب فرق بينهم.

إنه وصف يترجم ظاهرة تتكرر في بلاد شتى، في أوقات متعاقبة.

وسبب ذلك -والله اعلم- أن القلب الإنساني يشعر بلذة عارمة إذا تمكن صاحبه من تنفيذ ما يعتقده صوابا، لكنه لا يقنع، بل يتسع ممتدا إلى آفاق مترامية فيتطلع إلى إشباع كامل يستغرق هذا الامتداد الواسع ويريد تصاعد اللذة سريعا، فلا يصبر، بما أودع الله فيه من سر العجلة، فيخرج مدفوعا بطمعه وعجلته إلى إفراط في تشغيل الجوارح بما يعود باللذة على القلب، فتتعب، وينعكس تعبها على القلب في صورة ملل، فتخلط اللذة بالمغارم وتعود ثقلا محمولا، من بعد ما كانت مركبا حاملا، وتظل المغارم تضغط عليها حتى ينكمش ويضيق من بعد الاتساع الذي جبل عليه وشب في كنفه فلا يعود فيه محل لحلم، ولا لاحتمال يتركه لغيره في أن يصيب، ولا لمصلحة غيره في أن تأخذ حقها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت