وإن العمل الإسلامي قائم على معني عبادي نحتسب فيه الأجر عند الله كقيام المصلين مع إمامهم في الصلاة يحتسبون فيه الأجر ويؤدون به عبادة مفروضة، يحرصون على إجادة الإمام لإمامته ويعينونه على ذلك، فإذا أخطأ نبهوه برفق يصلح ما أخطأ فيه، لا تشهير معه.
وقيادة الدعوات ليست كراسي حكم يتنازع عليها كما تتنازع الأحزاب الأرضية، ولكنها مسؤولية ضخمة، وإمامة في دين، كالإمامة في الصلاة.
وللشيطان مداخل كثيرة جدً ودقيقة للغاية، قد يقع فيها الداعية، فيختلط عليه التناصح الصافي مع التنابذ العدائي، والحرص على الدعوة مع الحرص على أهواء النفس، إلى غير ذلك من الاختلاطات التي يعرفها من أطال التأمل في دقائق النفس وخلجات الأفئدة، والعاصم من كل ذلك: الالتزام بقواعد العمل الجماعي، وأن يكون النصح للمنصوح في السر أحب إليه في العلن، وأن تكون استقامة المسؤول أحب إليه من وقوعه في الخطأ، وأن يود لو أن غير كفاه مؤونة النصح، فهذه ونحوها من علامات نجاة الداعية من التورط في حبائل الشيطان.
معاني أدركها السلف، فإنه لما روي قول شداد بن أوس رضي الله عنه: (يا بقايا العرب: إن أخوف ما أخاف عليكم: الرياء، والشهوة الخفية) .
(قيل لأبي داود السجستاني: ما الشهوة الخفية؟: قال: حب الرياسة) .
(فهي خفية تخفي عن الناس، وكثيرًا ما تخفى على صاحبها) (1) .
فأحدهم ينازع ويخاصم تعبدًا وتقربا إلى الله في ظنه، ولا يدري أن حسن مقصده لا يغير من حقيقة التنازع شيئا.
سيماء السوء واضحة
فإذا كانت الجماعة مطالبة بإزالة الضرر الذي يقع من قبل المخلصين أحيانًا على سذاجة، أو بشهوة خفية، فمن باب آكد أن تسارع إلى إزالة ضر من تسوقهم الشهوة المفضوحة إلى اتباع غير سبيل المؤمنين.
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية 16/346.