الصفحة 107 من 172

وفي لفظ ابن المبارك أن النعمان بن بشير رضي الله عنه كان إذا أراد سرد هذا الحديث يقول قبله:

(يا أيها الناس: خذوا على أيدي سفهائكم) .

فإذا سرده عاد فقال:

(خذوا على أيدي سفائهكم قبل أن تهلكوا) (1) .

ولقد صدق الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- وصدق النعمان، فكم من مخلص جاهل يسلك سبيل صاحب الفأس هذا في سفينة الدعوة؟

ذاك حمل فأسًا... وصاحبنا يحمل اللسان.

إنه يهدم ويشكك ويثبط ويفرق ويعصي، كل ذلك بدعاوى حسن النية والنقد الذاتي.

إنه يجهل أن القانون على السفينة إنما هو قانون العاقبة دون غيرها، فالحكم لا يكون على العمل بعد وقوعه، بل على الشرع فيه، بل توجيه النية إليه، فلا حرية هنا في عمل يفسد السفينة ا دامت ملججة في بحرها، سائرة إلى غايتها.

إن كلمة (الخرق) لا تحمل في السفينة معناها الأرضي، بل معناها البحري، فهناك لفظة (أصغر خرق) ليس لها إلا معنى (أوسع قبر) ... في قاع المحيط المظلم، لو ترك هذا الخرق الصغير وشأنه.

وكذا حسن النية، إنه لا يحمل عندنا في علاقاتنا معناه الأخروي الذي يحاسب الله بموجبه عباده، فالإفساد واحد حتى وإن كان بنية حسنة.

أفما رأيت حالة هذه الطائفة التي في (الأسفل) تعمل لرحمة من هم في (الأعلى) ؟

إنها قصة القواعد الساذجة مع القيادات العاملة:

عاطفة لتهبة..… …لكنها باردة.

ومشاعر صادقة..…لكنها كاذبة.

ورحمة خالصة..…لكنها مهلكة.

إنهم المصلحون إصلاحا مخروقًا (2) .

إمامة الدعوة كإمامة الصلاة

إن تكوين جبهات المعارضة لا تعرفها أخلاق الإسلام، ولا يستنزل الشيطان بهذا الذريعة إلا صاحب الفقه الضعيف.

ونهج إشاعة النقد نهج باطل، لا أصل له في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا قاله أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، ولا سلكه داعية ذكر عنه الثبات على العمل بعد إتيانه.

إنه طريق إلى الفرقة والتباغض.

(1) كتاب الزهد لابن المبارك/475.

(2) اقتباسات نم وحي القلم 3/7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت