فصلح المرء مع الله، بحيث لا يكون مؤذنا بحرب منه، ولا مكروها عنده: طريق لصلحه مع الناس وصلح الناس معه، في رحاب أخوية، بلا خلاف، ولا تطاول، ولا تحديات.
كما أن صلحه هذا مع الله هو من باب ثان بداية توارد الخواطر الإيجابية على قلبه، وتزاحم الأفكار الجدية فيه، التي تخرجه من سكون الكسل، وإيثار الدعة، إلى طلب لذة التضحية وركوب المتاعب، فتتجدد له حالة كان هارون الرشيد، الخليفة الحاج الغازي، على مثلها، فاستوقف جمالها كلثوم بن عمرو العتابي، حفيد صاحب المعلقة سمية، فقال يمدحه:
مستنبط عزمات القلب من فكر
ما بينهن وبين الله معمور
فعزمة القلب الخيرة بنت فكرة تستمد جرأتها من العمران الذي شيده صاحبها بينه وبين الله.
عمران بمعاني التوحيد، والتوكل عليه، والإخبات إليه، والخوف منه، ورجاء نيل رضوانه.
وعمران آخر لدور الأنصار الجدد، في صحراء جاهلية الكفر، أو صحراء جاهلية المعاصي، بتربيته لهم، وإسكانه إياهم فيها ليوقدوا إذا طال على القوافل مداها، فتستأنس بنارهم حينا، وتزول وحشتها، وتلبث سائرة في صحبتها، حتى يبدو لها:
النور السادس عشر، الهادي إلى:
إدانة السوء الظاهر
فإن العمل الخاطئ لا يصح معه ادعاء الصلاح، ولا تسوغه النية الحسنة، والضرر يزال ويتجنب ولو لم يقصد فاعله الإساءة، وكل ناو فله ما نوى.
فمن الدعاة أناس يريدون الخير للدعوة، لكنهم ورثوا سذاجة أصحاب السفينة الذين قص علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خبرهم فقال، كما في لفظ البخاري:
(مثل المدهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة، فصار بعضهم في أسفلها، وصار بعضهم في أعلاها، فكان الذي بأسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها، فتأذوا به، فأخذ فأسًا، فجعل ينقر أسفل السفينة فأتوه فقالوا: مالك؟ قال: تأذيتم بي، ولابد من الماء!! فإن أخذوا على يديه: أنجوه ونجوا أنفسهم، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم) (1) .
(1) صحيح البخاري 3/225.