كما كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى أحد ولاته وصية جامعة من دون تطويل فقال:
(أما بعد: فاعمل عمل رجل يعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين) (1) .
وهي جملة واحدة موجزة جمعت الخير من أطرافه، ووضعتك أمام حقيقة فاصلة.
فإذا كان أمر الله هو النافذ في هذه الحياة، وقد كتب الله على نفسه أنه لا يصلح عمل المفسدين، ولا يحب كل خوان أثيم، كان ذلك في الكتاب مسطورًا، فلم خدع النفس؟ ولم تمنيتها بانتصار مبني على أوليات ومقدمات فاسدة بينة العوار، صاحبها أدرى الناس باعوجاجها؟
إن هذا الاستشعار بحتمية قدر الله الذي وعد به، إنما هو نور ساطع يحفف جرأة الجريء على مقارنة الافتتان إذا تذكر به حين يجالسه داعية فتنة في ظلمة يسوغ له المشاركة فيما هو فيه، والمؤمن لا يزني ساعة يزني وهو مؤمن، ولا يسرق وهو مؤمن، وكذلك ينكث بيعة وهو مؤمن.
كما أنه قد يقف على باب الإثم فيذكره مذكر بالله فيرجع، كما في حديث البخاري عن المرأة التي أراد ابن عمها السوء معها فذكرته الله، فعف بعدما أوشك وشارف، فوهبه الله بعد دهر استجابة منه لدعائه، ورفع الصخرة التي سدت فتحة الكهف عليه.
وهكذا كهوف التخذيل والإرجاف، قد يجد المرء نفسه حبيسا فيها على غفلة من نفسه، فيدعو بدعاء عمار: نعوذ بالله من الفتن، فتتدحرج صخرة الأوهام عن باب سجنه، ويتنفس الصعداء، ويعود إلى عرصات العمل الفسيحة.
وهذا الباب من أبواب التقوى في الاستسلام لقدر الله بلزوم أمر الله ونهيه، ودلالة ما يحبه الله وما يكرهه، جد مفيد في اتقاء الخلاف خاصة والعزوف عن التفكير بكيد وخديعة.
وضمانته العامة: الإسراع إلى الإصلاح الذي أرشدك إلى سفيان بن عيينة حين قال:
(من أصلح ما بينه وبين الله: أصلح الله ما بينه وبين الناس) (2) .
(1) تاريخ الطبري 6/567.
(2) مجموع فتاوى ابن تيمية 7/10.