ولا تقل: كيف نميز بين الطائفتين؟ فإن الفراسة الإيمانية تتكفل بذلك، كما تكفلت فراسة المحدثين بفضح الحديث الموضوع أحيانًا، فإنك تجد عندهم مثل قول الحاكم النيسابوري في كثير بن عبد الله الناجي: (زعم أنه يسمع من أنس، وروى عنه أحاديث يشهد القلب أنها موضوعة) (1) .
فالداعية لا يترك حذره إذا لم ير الدليل الواضح وضوح الشمس، بل تكفيه شهادة قلبه للاحتياط في كثير من الأمور إذا تجنب الهوى.
*فالقلب راء ما لا يرى البصر*
وهذا من المعاني التي تواطأ الناس على تأكيدها، فكان ابن تيمية يقول: (أنه ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه) (2) .
وفي الشعر القديم:
لا تسأل المرء عن خلائقه …… في وجهه شاهد من الخبر
وفيه:
*إن الصدور يؤدي غيبها النظر*
وكان الشعر الحديث أجود في تطرقه لهذا المعنى، فقال عبد الوهاب عزام:
إن يكن في الكلام صدق وكذب
ولدى القلب سره المكنون
فعلي الصدق في العيون دليل
وعلى الوجه شاهد لا يمين (3)
أي نه شاهد لا يكذب.
هذا من مجرد النظر إلى الوجه، فإن انضاف إلى ذلك سماع كلامه: كان الاستدلال أقوى، كما قال الله تعالى:
(ولتعرفنهم في لحن القول)
بل الخبير يعرفهم في لحن السكوت أيضًا، فكم من سكوت يعرف المقابل فيه انطواءه على الغضب، وتربص الفرصة للانتقام والكيد.
فإذا انضاف إلى الكلام فعل، فإن ما في القلب يتضح تمامًا، وإن حلف لك صاحبه ونفي.
ويخبرني عن غائب المرء فعله
كفي الفعل عما غيب المرء مخبرا
وهبه دلس علينا وخدع، أفعلي الله تمر الخداعات؟
وكلا والذي برأ نسمته.
كل مستخف بسر …فمن الله بمرأى
لا ترى شيئا على الله…من الأشياء يخفي
فالله رقيب حسيب، يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، والعاقل من اتفاه، وترك شهواته وهواه.
(1) تهذيب التهذيب 8/418.
(2) مجموع فتاوى ابن تيمية 18/272.
(3) ديوان المثاني/ 30.