ومثل ذلك من كتاب الله أن الله تبارك وتعالى أمر إبراهيم عليه السلام - بذبح ابنه ليبتليه ويختبر طاعته ويثيبه - اختبارًا موجودًا لتقع عليه المجازاة وقد علم قبل أمره له أنه يطيعه في ما أمره به ، لكن المجازاة إنما تقع على الأعمال الموجودة لا على علم الله تعالى بذلك ، قبل - وجود طاعة الطائع ومعصية العاصي - وعلم أيضًا تبارك وتعالى أنه يفدي الذبيح بكبش بعد إضجاعه للذبح ، فاستخرج منهما التسليم لأمره والطاعة له فيما أمرهما: لتصح المجازاة على فعل موجود بدليل قول الله تعالى في ذلك فلما أسلما وتله للجبين (8) .
والذبح من إبراهيم لابنه مأمور به ، وذبحه للكبش بدلًا منه مأمور به أيضًا ، وكلاهما مراد الله، وأمر وكلام الله واحد لا اختلاف فيه ، وإنما الاختلاف في المأمور به في وقتين مختلفين متقدمين في علم الله تبارك وتعالى قبل علم كل مخلوق ، لم يسبق أحدهما الآخر تعالى الله عن أن يكون ما لا يعلمه أو أن يبدو له ما لم يتقدم في علمه .
ولأجل ما أراد الله من النسخ للرفق بعباده والصلاح لهم أنزل القرآن شيئًا بعد شيء ولم ينزله جملة واحدة ؛ لأنه لو نزل جملة واحدة لم يجز أن يكون فيه ناسخ ولا منسوخ ، إذ غير جائز أن يقول في وقت واحد: افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا - لذلك الشيء بعينه - .
بقلم: جميل ترمانيني
(1) سورة البقرة الآية 213
(2) سورة الحديد الآية 25
(3) سورة طه الآية 49 ، 50
(4) في كتابه الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه تحقيق الدكتور أحمد حسن فرحات طبع دار المنارة جدة ص 59
(5) سورة المائدة الآية 48
(6) سورة الجاثية الآية 18
(7) سورة الملك الآية 2 سورة هود الآية 7
(8) سورة الصافات الآية 103 .
جميع الحقوق محفوظة لموقع عالم القرآن الكريم