وهذا التغيير ضمن شرع الله سماه علماؤنا وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم النسخ وقد وقع بين الشرائع السماوية كلها بل وفي كل شريعة منها على حدة .
تساؤل لا بد منه:
1-إذا كان النسخ قد وقع بين كل الشرائع ونحن مؤمنون أن الله تعالى عليم حكيم وعلمه دائم من الأزل إلى الأبد والله يعلم ما كان وما يكون وما سيكون ؛ لماذا إذن يتغير القانون أو التشريع ؟
وبمعنى آخر: التغير يطرأ علينا نحن البشر فنغير القوانين لأن علمنا حادث ولا نعلم المستجدات التي ستحصل أما الله تجلى في سمائه فهو العالم العليم العلام يعلم كل شيء فهل حينما يشرع مرة أخرى يكون قد علم شيئا لم يكن قد علمه ؟ لعل هذا الاحتمال والسؤال يخطر على بال كل من يقرأ الناسخ و المنسوخ بل وكما قال الإمام مكي بن أبي طالب (4) هذا التساؤل إذا فهمناه فهو الأصل الذي يبنى عليه الناسخ والمنسوخ فاعلم جوابه فيما يلي:
اعلم أن الله جل ذكره هو الآمر فوق كل آمر ، قد علم ما سيكون قبل أن يكون ، وكيف يكون ما علم أنه سيكون و إلى متى يبقى ما قدر أنه سيكون ، فهو تعالى قد علم ما سيأمر به خلقه ويتعبدهم به وما ينهاهم عنه وعلم ما يقرهم عليه من أوامر ونواهٍ ، وما ينقلهم عنه إلى ما أراد من عبادته ، وعلم وقت ما يأمرهم وينهاهم ووقت ينقلهم عن ذلك قبل أمره لهم ونهيه ، وذلك جميعه منوط بما فيه الصلاح للعباد دنيا وأخرى ؛ فهو يأمرهم بأمر في وقت لما فيه من صلاحهم في ذلك الوقت وقد علم أنه يزيلهم عن ذلك في وقت آخر لما علم فيه من صلاحهم في ذلك الوقت الثاني .
فهو تعالى لم يزل مريدا للفعل الأول إلى الوقت الذي أراد فيه نسخه ، ومريدا لا يجاب بدله أو إزالة حكمه لغير بدل في الوقت الذي أراد رفع حكم الأول فينسخ بأمره مأمورًا به بمأمور به آخر .