فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 317

إنها لمسة الإيمان في القلوب التي كانت منذ لحظة تعنو لفرعون وتعد القربى منه مغنما يتسابق إليه المتسابقون. فإذا هي بعد لحظة تواجهه في قوة، وترخص ملكه وزخرفه وجاهه وسلطانه: «قالُوا: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا ... » فهي علينا أعز وأغلى وهو جل شأنه أكبر وأعلى. «فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ» ودونك وما تملكه لنا في الأرض. «إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا» . فسلطانك مقيد بها، ومالك من سلطان علينا في غيرها. وما أقصر الحياة الدنيا، وما أهون الحياة الدنيا. وما تملكه لنا من عذاب أيسر من أن يخشاه قلب يتصل بالله، ويأمل في الحياة الخالدة أبدا. «إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ» مما كنت تكلفنا به فلا نملك لك عصيانا فلعل بإيماننا بربنا يغفر لنا خطايانا. «وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى» خير قسمة وجوارا، وأبقى مغنما وجزاء. إن كنت تهددنا بمن هو أشد وأبقى ... وألهم السحرة الذين آمنوا بربهم أن يقفوا من الطاغية موقف المعلم المستعلي: «إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى. وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى. جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى» .

فإذا كان يتهددهم بمن هو أشد وأبقى. فها هي ذي صورة لمن يأتي ربه مجرما هي أشد عذابا وأدوم «فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى» فلا هو ميت فيستريح، ولا هو حي فيتمتع. إنما هو العذاب الذي لا ينتهي إلى موت ولا ينتهي إلى حياة .. وفي الجانب الآخر الدرجات العلى .. جنات للإقامة ندية بما يجري تحت غرفاتها من أنهار «وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى» وتطهر من الآثام.

وهزأت القلوب المؤمنة بتهديد الطغيان الجائر، وواجهته بكلمة الإيمان القوية. وباستعلاء الإيمان الواثق. وبتحذير الإيمان الناصع. وبرجاء الإيمان العميق.

ومضى هذا المشهد في تاريخ البشرية إعلانا لحرية القلب البشري باستعلائه على قيود الأرض وسلطان الأرض، وعلى الطمع، في المثوبة والخوف من السلطان. وما يملك القلب البشري أن يجهر بهذا الإعلان القوي إلا في ظلال الإيمان.

وهنا يسدل الستار ليرفع على مشهد آخر وحلقة من القصة جديدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت