ولكن أنى للطغاة أن يدركوا هذا السر اللطيف؟ أنى لهم أن يدركوا كيف تتقلب القلوب؟ وهم قد نسوا لطول ما طغوا وبغوا، ورأوا الأتباع ينقادون لإشارة منهم، نسوا أن الله هو مقلب القلوب وأنها حين تتصل به وتستمد منه وتشرق بنوره لا يكون لأحد عليها سلطان: «قالَ: آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ؟ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ، فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ، وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقى» .
«آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ» .. قولة الطاغية الذي لا يدرك أنهم هم أنفسهم لا يملكون - وقد لمس الإيمان قلوبهم - أن يدفعوه عنها، والقلب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء.
«إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ» .. فذلك سر الاستسلام في نظره، لا أنه الإيمان الذي دب في قلوبهم من حيث لا يحتسبون. ولا أنها يد الرحمن تكشف عن بصائرهم غشاوة الضلال.
ثم التهديد الغليظ بالعذاب الغليظ الذي يعتمد عليه الطغاة ويسلطونه على الجسوم والأبدان حين يعجزون عن قهر القلوب والأرواح: «فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ، وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ» . ثم الاستعلاء بالقوة الغاشمة. قوة الوحوش في الغابة. القوة التي تمزق الأحشاء والأوصال، ولا تفرق بين إنسان يقرع بالحجة وحيوان يقرع بالناب: «وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقى» ! ولكنه كان قد فات الأوان. كانت اللمسة الإيمانية قد وصلت الذرة الصغيرة بمصدرها الهائل. فإذا هي قوية قويمة. وإذا القوى الأرضية كلها ضئيلة ضئيلة. وإذا الحياة الأرضية كلها زهيدة زهيدة. وكانت قد تفتحت لهذه القلوب آفاق مشرقة وضيئة لا تبالي أن تنظر بعدها إلى الأرض وما بها من عرض زائل. ولا إلى حياة الأرض وما فيها من متاع تافه: «قالُوا: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا، فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ. إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا. إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ، وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى» .