فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 317

إنه مشهد انتصار الحق والإيمان في واقع الحياة المشهود، بعد انتصارهما في عالم الفكرة والعقيدة. فلقد مضى السياق بانتصار آية العصا على السحر وانتصار العقيدة في قلوب السحرة على الاحتراف وانتصار الإيمان في قلوبهم على الرغب والرهب، والتهديد والوعيد. فالآن ينتصر الحق على الباطل والهدى على الضلال، والإيمان على الطغيان في الواقع المشهود. والنصر الأخير مرتبط بالنصر الأول. فما يتحقق النصر في عالم الواقع إلا بعد تمامه في عالم الضمير وما يستعلي أصحاب الحق في الظاهر إلا بعد أن يستعلوا بالحق في الباطن .. إن للحق والإيمان حقيقة متى تجسمت في المشاعر أخذت طريقها فاستعلنت ليراها الناس في صورتها الواقعية. فأما إذا ظل الإيمان مظهرا لم يتجسم في القلب، والحق شعارا لا ينبع من الضمير، فإن الطغيان والباطل قد يغلبان، لأنهما يملكان قوة مادية حقيقية لا مقابل لها ولا كفاء في مظهر الحق والإيمان ..

يجب أن تتحقق حقيقة الإيمان في النفس وحقيقة الحق في القلب فتصبحا أقوى من حقيقة القوى المادية التي يستعلي بها الباطل ويصول بها الطغيان .. وهذا هو الذي كان في موقف موسى - عليه السلام - من السحر والسحرة. وفي موقف السحرة من فرعون وملئه. [1]

وقال تعالى عن جرائم فرعون في سورة القصص: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) } [القصص]

لَقَدْ تَكَبَّرَ فِرعَونُ في أَرْضِ مِصْرَ، وَتَجَبَّرَ، وَجَعَلَ أَهْلَهَا فِرَقًا وأَصْنَافًا وأًحزََابًا مَتَعَدِّدَةً (شِيَعًا) ، وأَغْرَى بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ، لِكَيلاَ يَتَّفِقُوا عَلَى أَمرٍ، وَلاَ يُجْمِعُوا عَلَى رَأْيٍ، وَيَسْتَغِلُّ بَعْضَهُمْ لِلْكَيدِ لِبْعَضٍ، فَلا يَصْعُبُ عَلَيهِ خُضُوعُهُم واسْتِسْلامُهُمْ واستَضْعَفَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (طائفةً منهمُ) ، وَكَانُوا أَهلَ الإِيمانِ في ذلِكَ الزَّمَانِ، واستَذَلَّهُم، فَأَخَذَ يَسْتَعْمِلُهُمْ

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 3044)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت