الصفحة 6 من 17

ثم ننتقل إلى ضلالة أخرى من ضلالات البيان.

حيث قالوا: (إن تغيير المنكر باليد واجب على ولاة الأمور وحدهم) .

ووجه الضلالة في هذا من ناحيتين:

-الأولى:

هي أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الآخرين وإن لم يقم به أحد أثم الكل حتى يقوم به من فيهم الكفاية.

وقال ابن تيمية: (وهو فرض على الكفاية ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره) [17] .

وقال النووي: (وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة) [18] .

وفي [ص: 23] يقول: (قال العلماء ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأصحاب الولايات بل ذلك جائز لآحاد المسلمين، قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماع المسلمين، فإن غير الولاة في الصدر الأول والعصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر، مع تقرير المسلمين إياهم وترك توبيخهم إياهم على التشاغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير ولاية، والله أعلم) انتهى.

ونخلص من ذلك إلى أن الأمر والنهي جائزان لآحاد الرعية ولا يتوقف على إذن السلطان، وسوف نفرد نشرة مستقلة إن شاء الله تعالى لتفصيل هذه المسألة ويمكننا إجمالا أن نقول إنه لا يشترط للآمر والناهي إلا العلم بما يأمر به وينهى عنه والقدرة وألا يتسبب فعله في مفسدة أشد, فإن كان المنكر المراد تغييره هو الكفر فلا مفسدة أشد من الكفر, وما قلناه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقال أيضا في الحدود، إن عَطَّلها الحكام يجب على من يقدر عليها أن يقوم بها لأن الله خاطب بها مجموع المسلمين، فقال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} ، وقال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا} .

هكذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والأصل أن هذه الواجبات تُقام على أحسن الوجوه, فمتى أمكن إقامتها من أمير لم يحتج إلى اثنين، ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها، فإنها من"باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها لم يدفع فساد بأفسد منه، والله أعلم) [19] .

-والناحية الثانية في ضلالة هؤلاء السَّدنة:

هي أنهم يوهمون الناس أن حكام مصر هم ولاة الأمور شرعا، ونحن نكشف ضلالتهم أمام المسلمين بقولنا إن هذه الحكومة المصرية غير شرعية بميزان الإسلام وأيضا بميزان الكفر.

فأما عدم شرعيتها من الناحية الإسلامية، فذلك لأن الحاكم فيها لا تتوفر فيه صفات الإمام المسلم ولا انعقدت بيعته وفق الشريعة ولا هو مُلْزَم ولا ملتزم بواجبات الحاكم المسلم.

وتفاصيل هذا تجدها بأبواب الإمامة من كتاب"الأحكام السلطانية"للماوردي أو أبي يعلى، ونركز هنا فقط على البيعة، فلا تكون لحاكم ما شرعية إلا إذا انعقدت بيعتُه على الكتاب والسنة صراحة وليس على الدستور والقانون.

ودليل ذلك ما رواه البخاري عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه كتب إلى أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان فقال: (أبايعك على السمع والطاعة على سنة الله وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فيما استطعت) .

فهل انعقدت بيعة هؤلاء على الكتاب والسنة؟

ثم إنها إن عُقِدَت هكذا لحاكم مسلم ثم كفر لحكمه بغير ما أنزل الله أو بغيره من أسباب الرِّدة؛ فقد وجب القيام عليه وخلعه ونصب إمام مسلم عادل بالإجماع - كما نقله النووي عن القاضي عياض [20] -

وذلك لحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: (وألا ننازع الأمر أهله، قال؛ إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان) [21] .

وقد أجمع علماء الأمة الأثبات - لا هؤلاء العملاء - على أن الحكم بغير ما أنزل الله بصورته الحالية وهي استبدال القوانين الوضعية بشريعة الإسلام هو كفر أكبر مخرج من ملة الإسلام، ومن هؤلاء الشيوخ محمد حامد الفقي ومحمود شاكر وأحمد شاكر ومحمد إبراهيم آل الشيخ والأساتذة عبد القادر عودة وسيد قطب ومحمد نعيم ياسين والعلامة الشنقيطي, وكثيرون غيرهم.

أما عدم شرعية الحكومة المصرية بميزان الكفر وهو ميزان الديمقراطية والقانون فهذه الحكومة هي نتيجة انتخابات مزورة وقوانين انتخابية باطلة بمقياس الكفر ولذلك فإنك تجدهم يحلون مجلس الشورى الآن في أوائل عام 89، ومثله في البطلان مجلس الشعب، وهذا معناه أن كل ما ينتج عن هذه المجالس من تشريعات هي باطلة بمقياس الكفر، ومنها ترشيح وانتخاب رئيس الجمهورية.

ثم إنه حتى ولو كانت هذه المجالس نتيجة انتخابات صحيحة فهي أيضا غير شرعية لأن هذه الانتخابات لا تعبر عن الشعب المصري بأي شكل، فقد ذكرت صحيفة الأهرام [22] على لسان رئيس الجمهورية: (أنه على سبيل المثال عدد سكان القاهرة 12 مليون، منهم 10 مليون لهم حق الانتخاب، ومن هؤلاء مليون فقط مسجلون في جداول الانتخابات، ومن هذا المليون لم يشارك إلا مائتا ألف في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة) ، أي بنسبة 2 %، فأي شرعية هذه؟

وقد صرح بهذا مصطفى الفقي سكرتير الرئيس للمعلومات عندما قال: (إن الأحزاب المصرية لا تعبر عن نبض الجماهير وإن الحزب الحاكم يحكم مُعتمدًا على الحكومة) [23] .

مما سبق ترى - يا أخي المسلم - أن هذه الحكومات التي تحكم مصر بالكفر والبطش والطغيان هي غير شرعية بكافة الموازين إسلامية وغير إسلامية، إنما هي أقلية فرضت نفسها على الأمة الإسلامية بمصر، وتفرض على المسلمين أحكام الكفر وتنشر فيهم كافة أنواع المفاسد.

هذا هو النظام والشرعية التي يدافع عنها شيخ الأزهر ويدعو المسلمين لاحترامه، والوقوف بحزم ضد الخارجين على هذا النظام الكافر, كما في بيانه بجريدة الأهرام [24] .

[17] مجموع الفتاوى: 28/ 65 - 66.

[18] صحيح مسلم بشرح النووي: 2/ 22.

[19] مجموع الفتاوى: 34/ 175 - 176.

[20] انظر شرح النووي على صحيح مسلم: 12/ 229.

[21] متفق عليه.

[22] في 26/ 12/1988.

[23] جريدة الأهرام والاتحاد: عدد 6/ 2/89.

[24] عدد 26/ 12/1988.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت