وخلاصة القول أن الدول العربية اليوم تحتاج إلى الشفافية ولكن ليس مع شعوبها، بل مع أمريكا، فتحتاج إلى أن تعترف بأنها ما هي إلا خادمة لأمريكا، تقوم على رعاية مصالحها، وإزالة كل الأخطار التي تهددها، وضمان استمرار تدفق النفط، ولو قصرت هذه الدول بشيء من ذلك، فهي معرضة للانقلاب كما حصل مع نظام صدام، فهو النظام المدعوم من أمريكا عندما وصل السلطة عبر الانقلاب، وهو النظام المدعوم من أمريكا والمنطقة في حرب إيران، وبعد أن بدأ يقوى وخشيت أمريكا من ضرره، زينت له غزو الكويت ودفعته لذلك، وظن هو أنها ستبقى مكتوفة الأيدي كما ألمحت له بذلك السفيرة الأمريكية في بغداد قبل غزو الكويت بأسبوع تقريبًا، وتجرأ وأقدم على الغزو بعد صدور الضوء الأخضر من أمريكا، فأكل الغبي الطعم، و أمريكا لا عهد لها ولا ميثاق فانقلبت عليه وجرعته السم، فاضطر لمواجهتها لمدة عقد من الزمان، إلا أنه انهار في نهاية المطاف، فالدول العربية ستمر بنفس مرحلة نظام صدام، وما عليها إلا أن تسير نحو ما تريد لها أمريكا، فهي مسيرة لا مخيرة.
إذا كانت أمريكا نزعت الخيارات السياسية من الدول العربية على المستوى الخارجي، فإنها أعطت قدرًا من الخيارات لا بأس به على المستوى الداخلي، فأعطت هامشًا يتيح للدول العربي أن تستعرض نفوذها وحنكتها السياسية على شعوبها لتبرهن لأمريكا أنها وضعت الرجل المناسب في المكان المناسب، فهذا الهامش متاح لهذه الدول قبل مرحلة احتلال العراق، وفي الأيام القادمة يبدو أن هذا الهامش بدأ يضيق وسيضيق أكثر، خاصة بعد طرح مشروع (مبادرة الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية) الذي يتدخل في كل الشئون الداخلية، فعلى الحكومات العربية أن تتعايش مع الوضع الجديد وتقبل به كما قبلت بغيره من قبل، أو عليها أن ترضى بالرحيل غير مأسوف عليها من قبل أمريكا لتبحث عن البديل.
فالأيام القادمة ستشهد عن طريق مشروع الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية، تغيرًا في السياسة الداخلية للدول العربية، وهذا التغير سيشمل جميع المجالات بلا استثناء، وسيشمل نظام الحكم أيضًا وأسلوب تداول السلطة واتخاذ القرار، فما هو موقف الدول العربية؟ وكيف ستتعامل مع هذا الوضع الجديد؟.
أما عن موقف الدول العربية فماذا عساه أن يكون؟ وماذا يمكن أن تصنع لنفسها؟ لا يمكن أن تصنع شيئًا ولا يمكن أن تقوم بأي شيء ذي بال يدفع عنها بلاء أو يجلب لها نفعًا، ما عليها إلا التسليم أو المفاوضة حول بعض هوامش الأوامر الأمريكية في مشروع الشراكة، ولكنها ستتعامل مع هذا الوضع الجديد بمزيد من التعسف والعنجهية مع شعوبها لفرض مشروع الشراكة على كافة المجالات، فمشروع الشراكة هو مشروع مرفوض لدى شعوب المنطقة دينًا وأخلاقًا وطبيعة وتقليدًا، مشروع لا يمكن أن تقبله إلا البهائم، فرفض الشعوب لهذا الأمر سيدفع الحكومات العربية لأن تستأسد عليها لتفرض عليها هذا المشروع، أو بمعنى أصح لتفرض عليها أن تكون بهائم لأمريكا، فالتحرك الحكومي العربي القادم لن يكون ضد العدو الخارجي، بل سيكون ضد العدو الحقيقي الداخلي ضد الشعوب بشكل أخص، هذا هو الهامش المتاح للدول العربية وهو فرض المطالب الأمريكية على الشعوب بقوة الحديد والنار، ومن يعجز عن ذلك فسوف تحاول أمريكا تكرار تجربة العراق على دولته لتفرض هي ما تريد على المنطقة وبنفسها بعد أن ضمنت أن شعوب المنطقة شعوب منزوعة الأسلحة بل منزوعة من كل أسباب القوة، وقال كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الاسبق في عام 1394هـ بعد أزمة البترول (لابد أن يأتي اليوم الذي يدفع فيه العرب ثمن هذا الموقف، لأن بترولهم كله سيكون تحت سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية) ، وبالفعل أصبح تحت السيطرة الأمريكية، وأصبحت الدول كلها تحت السيطرة الأمريكية، بسب عمالة هذه الحكومات الخائنة.