ونظرت في عمق عينيه وأنا أتكلم فرأيت لأول مرة بحيرة من الرعب تنداح في كل عين ورأيت أجفانه تطرف وتختلج .
كانت لحظة عابرة من الرعب .. ما لبث أن استعاد بعدها توازنه .. ولكنها كانت لحظة كافية لأدرك أنه بكل غروره وعناده ومكابرته واقف على جرف من الشك والخواء والفراغ وممسك بلا شيء .
قال لي بنبرة حاول أن يشحنها باليقين:
-سوف ترى أن التراب هو كل ما ينتظرك وينتظرنا .
-هل أنت متأكد .
وللمرة الثانية انداحت في عينيه تلك البحيرة من الرعب .
قال وهو يضغط على الحروف وكأنما يخشى أن تخونه نبراته:
-نعم ...
قلت:
-كذبت .. فهذا أمر لا يمكن أن نتأكد منه أبدًا .
وحينما كنت أعود وحدي تلك الليلة بعد حوارنا الطويل كنت أعلم أنى قد نكأت في نفسه جرحًا .. وحفرت تحت فلسفته المتهاوية حفرة سوف تتسع على الأيام ولن يستطيع منطقه المتهافت أن يردمها .
قلت في نفسي وأنا أدعو له .. لعل هذا الرعب ينجيه .. فمن سد على نفسه كل منافذ الحق بعناده لا يبقى له إلا الرعب منفذًا .
وكنت أعلم أنى لا أملك هدايته .. ألم يقل الله لنبيه ..
(( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء ) )القصص- 56.
ولكنى كنت أتمنى له الهداية وأدعو له بها فليس أسوأ من الكفر ذنبًا ولا مصيرًا .