وفيه دليل على أن الكلام إذا لم يرد به قائله معناه ، إما لعدم قصده له ، أو لعدم علمه به ، أو أنه أراد به غير معناه ، لم يلزمه ما لم يرده بكلامه ، وهذا هو دين الله الذي أرسل به رسوله ، ولهذا لم يلزم المكره على التكلم بالكفر الكفر ، ولم يلزم زائل العقل بجنون أو نوم أو سكر ما تكلم به ، ولم يلزم الحجاج بن علاط حكم ما تكلم به ، لأنه أراد به غير معناه ، ولم يعقد قلبه عليه ، وقد قال تعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ' المائدة: 89 ' وفي الآية الأخرى: ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ' البقرة: 225 '، فالأحكام في الدنيا والآخرة مرتبة على ما كسبه القلب ، وعقد عليه ، وأراده من معنى كلامه .
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة ، فقالت: يا رسول الله إن نساء أسعدنني في الجاهلية ، يعني في النوح أفأساعدهن في الإسلام ؟ فقال: لا إسعاد في الإسلام ، ولا شغار في الإسلام ، ولا عقر في الإسلام ، ولا جلب في الإسلام ، ومن انتهب فليس منا . [ذكره أحمد] .
والإسعاد: إسعاد المرأة في مصيبتها بالنوح . والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته ، والعقر: الذبح على قبور الموتى ، والجلب: الصياح على الفرس في السباق ، والجنب: أن يجنب فرسًا إلى فرسه ، فإذا أعيت فرسه انتقل إلى تلك في المسابقة .