والمراد بذلك أنه مستلزم لصفاته، لا يوجد بدون وجود الصفة، ليس المراد بكونه مفتقرًا إلى الجزء أن الجزء فاعل له، فإن هذا لا يقوله عاقل؛ لا يقول عاقل: إن جزء المجموع يجب أن يكون فاعلًا له، بل يمتنع أن يكون جزء الشيء فاعلًا له باتفاق العقلاء.
ولكن قد يكون جزؤه لازمًا له، وملزومًا له؛ فإذا قيل: هو مفتقر إلى جزئه؛ بمعنى أن المجموع لا يوجد إلا بوجود البعض - كان هذا ممكنًا، وكذلك إذا قيل: ذلك الجزء لا يوجد إلا مع جزء آخر، أو مع المجموع؛ كان هذا ممكنًا.
وهم يُسَمُّون صفات الله تعالى وغيره من الموصوفات أجزاء، ويقولون: إذا أثبتم له الصفات، فقد أثبتم له الأجزاء، ثم يقولون: ذلك محال؛ لأنه يقتضي أنه مركَّب، والمركَّب مفتقر إلى أجزائه، بمعنى أنه مستلزم لأجزائه.
أو يقولون: إن كانت الصفات التي تثبتونها ذاتيةً، داخلةً في الماهية - كانت أجزاء مقوِّمة له؛ وهو ممتنع، وإن كانت عرضية له، افتقر فيها إلى غيره.
فيقال لهم: عندكم أنه مستلزم لمفعولاته المعتبرة، ولا يمكن وجوده بدون وجودها، ومع هذا فهذا لا ينافي وجوب وجوده بنفسه، ولا يكون امتناع بدون تلك اللوازم المنفصلة المعتبرة ممتنعًا1؛ فكيف يكون استلزامه لصفاته اللازمة له ممتنعًا؟ فإن كان هذا الاستلزام هو افتقار إلى صفاته -التي سميتموها أجزاءً- فذاك الاستلزام هو افتقار إلى مفعولاته، ومعلوم أن افتقار الواجب بنفسه إلى مفعولهِ2 أعظم امتناعًا في العقل من افتقاره إلى أجزائه أو صفاته.