وبيَّنَّا أن من أعظم الكلام الذي ذمه هؤلاء الأئمة وغيرهم، كلام الجهمية الذي استدلوا به على نفي الصفات، وهو الذي جعلوه أصلًا للعلم بإثبات الصانع، وهو استدلالهم على ذلك بأن الأجسام محدَثة؛ لأنها لا تخلو عن الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث فهو محدَث.
وهم ومَنْ تبعهم مِنَ الكُلَّابية والكَرَّامية، ومن وافقهم من متفقهة ومحدِّثين وصوفية وغيرهم - يظنون أن هذا هو أصل الدين الذي به يُعلم ثبوت الصانع سبحانه، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن ما يقدح في هذا فهو قدح في أصل دين الإسلام، وأنه لا طريق إلى العلم بصدق الرسول إلا هذا الطريق.
ثم إن أئمة هذا الطريق1 رأوا أن هذا يستلزم نفي صفات الرب تعالى، [لأجل] الحجة2 على أن ما قامت به الأعراض3 باتفاقهم، وما قامت به الأعراض قامت به الحوادث أيضًا عند أئمتهم وجمهورهم: كالجهمية والمعتزلة والكَرَّامية والضرارية والهشامية.
فصاروا لأجل هذا يقولون: إن الرب لا يقوم به صفة: لا علم، ولا قدرة، ولا كلام.
فقالوا: القرآن مخلوق خلقه منفصلًا عنه، بل قالوا: كلامه مخلوق