فهرس الكتاب

الصفحة 657 من 1150

فإذ جاء النفير إلى الجهاد، تلبّثوا، وتعللوا بالعلل والمعاذير، حتى يفوتهم الركب المجاهد، وهم لا يزالون في موقف من يتأهب للقتال، ويتجهز للّحاق بالمجاهدين .. ثم لا يزالون على هذا الموقف حتى تنتهى المعركة، وينفضّ سوقها ..

وهنا ينكشف أمر هؤلاء الجبناء، ويفتضح نفاقهم حتى مع أنفسهم ..

فإذا كانت الهزيمة في المجاهدين، أظهروا الفرحة، وحمدوا لأنفسهم هذا الموقف المتخاذل الذي كان منهم، وقال قائلهم: «قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا» .. لقد نجا بنفسه، وسلم من التلف، ومادرى أنه من الخاسرين، حيث فاته ثواب الشهداء، وأجر المجاهدين ..

وإن كانت الغلبة للمجاهدين، نظر إلى ما في أيديهم من أسلاب ومغانم، فامتلأت نفسه حسرة وأسى وندما، وتمنّى أن لو كان في هذا الركب الظافر الغانم، وقال ونفسه تتقطع كمدا وحسرة: «يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا» .

وفى قوله تعالى: «كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ» تنديد بهذه الخسّة وذلك الجبن، الذي قطع أواصر الأخوّة والتناصر بينه وبين أصحابه .. فما على هذا الأسلوب الخسيس تقوم الصحبة بين الجماعة، التي من شأنها أن تتقاسم السرّاء والضرّاء، وأن تذوق الحلو والمرّ .. أمّا أن تقف لتتحيّن الفرصة لتشارك في السّرّاء، ولا تشارك في الضراء، فذلك هو اللؤم الدنيء الذي تترفع عنه أدنى الحيوانات، التي إذا هاجمها عدوّ، لقيته يدا واحدة، وقوة مجتمعة! (7)

انفروا جماعات نظامية. أو انفروا جميعا. ولا ينفر بعضكم ويتثاقل بعضكم - كما هو واقع - وخذوا حذركم. لا من العدو الخارجي وحده ولكن كذلك من المعوقين المبطئين المخذلين سواء كانوا يبطئون أنفسهم - أي يقعدون متثاقلين - أو يبطئون غيرهم معهم وهو الذي يقع عادة من المخذّلين المثبطين! ولفظة «ليبطئن» مختارة هنا بكل ما فيها من ثقل وتعثر وإن اللسان ليتعثر في حروفها وجرسها، حتى يأتي على آخرها، وهو يشدها شدا وإنها لتصور الحركة النفسية المصاحبة لها تصويرا كاملا بهذا التعثر والتثاقل في جرسها. وذلك من بدائع التصوير الفني في القرآن، الذي يرسم حالة كاملة بلفظة واحدة.

وكذلك يشي تركيب الجملة كلها: «وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ» ، بأن هؤلاء المبطئين - وهم معدودون من المسلمين - «منكم» يزاولون عملية التبطئة كاملة، ويصرون عليها إصرارا، ويجتهدون فيها اجتهادا .. وذلك بأسلوب التوكيد بشتى المؤكدات في الجملة! مما يوحي بشدة إصرار هذه المجموعة على التبطئة، وشدة أثرها في الصف المسلم وشدة ما يلقاه منها! ومن ثم يسلط السياق الأضواء الكاشفة عليهم، وعلى دخيلة نفوسهم ويرسم حقيقتهم المنفرة، على طريقة القرآن التصويرية العجيبة:

فها هم أولاء، بكل بواعثهم، وبكل طبيعتهم وبكل أعمالهم وأقوالهم .. هاهم أولاء مكشوفين للأعين، كما لو كانوا قد وضعوا تحت مجهر، يكشف النوايا والسرائر ويكشف البواعث والدوافع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت