كَيفَ نَذْهَبُ إِلى قَوْمٍ غَزَوْهُ في عُقْرِ دَارهِ بِالمَدِينةِ فَنُقَاتِلُهُم؟ وَقَالُوا: لَنْ يَرْجِعَ مُحمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ مِنْ هذِه السَّفْرَةِ، فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالى هذِهِ الآيةَ يَفْضَحُهُم فِيها.
وَمَعْنَى الآيةِ: سَيَقُولُ لَكَ الذِينَ تَخَلَّفُوا مِنَ الأَعْرَابِ عَنْ صُحْبَتِك إِلى مَكَّةَ لِلْعُمْرَةِ: لَقَدْ شَغَلَتْنا عَنِ الخُرُوجِ مَعَكَ رِعَايةُ أَمْوالنا وَأَهْلِينا، فَاسْتَغْفِرْ لَنَا اللهَ رَبَّكَ، إِذْ لَمْ يَكُنْ تَخَلُّفُنا عَنْ مُخَالَفَةٍ لأَمْرِكَ.
وَيَرَدُّ اللهُ تَعَالى عَلَيهم مُكَذِّبًا فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُم لَيْسُوا بِصَادِقينَ في قَوْلِهِمْ إِنَّ سَبَبَ امْتِنَاعِهِمْ عَنِ الخُرُوجِ هُوَ رِعَايَةُ مُصَالِحِ أَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ، وَإِنَّهُم إِنَّما تَخَلَّفُوا لاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ وَالمُؤْمِنِينَ سَيُغْلَبُونَ، وَأَنَّهُمْ لَنْ يَرْجِعُوا مِنْ سَفَرِهِمْ هذا أَبَدًا.
ثُمّ أَمَرَ اللهُ تَعَالى الرَّسُولَ الكَرِيمَ بأَنْ يَقُولَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ قَعدَتُمْ ظَنًّا مِنْكُمْ أَنّ في القُعُودِ السَّلامَةَ، وَلكِنْ إِذا أَرَادَ اللهُ بِكُمْ شَرًّا وَسُوءًا فَلَنْ يَنْفَعَكُمُ القُعُودُ شَيئًا، وَإِذا أَرَادَ بِكُمْ خَيْرًا فَلاَ رَادَّ لِقَضَائِهِ. وَاللهُ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّهُ العِبَادُ، وَمَا يَعْلِنُونَهُ، وَلاَ يَخْفَى عَلَيهِ مِنْ أُمُورِهِمْ شَيءٌ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُم إِنَّما تَخَلَّفُوا شكًا وَنِفَاقًا وَضَعْفَ إِيمانٍ. فَقَدْ كَانَ سَبَببَ قُعُودِكُمْ هُوَ اعْتِقَادُكُم أَنَّ الرَّسُولَ والمُؤْمِنينَ سَيُقْتَلُونَ، وَسَتُستَأْصَلُ شَأْفَتُهُمْ، وَلَنْ يَعُودَ مِنْهُمْ أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ إِلى أَهْلِيهمِ، وَزَيَّنَ لَكُمُ الشَّيْطَانُ ذلِكَ الظَّنَّ السَّيِّئَ. فَقَعدْتُمْ عَنْ صُحْبَتهِ، وَظَنَنْتُم أَنَّ اللهَ لَنْ يَنْصُرَ رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ فَصِرْتمُ بِهذهِ المَقَالَةِ قَوْمًا هَالِكينَ، مُسْتَوجِبينَ سُخْطَ اللهِ وَعَذَابَهُ. (2)
وقال السعدي:"يذم تعالى المتخلفين عن رسوله، في الجهاد في سبيله، من الأعراب الذين ضعف إيمانهم، وكان في قلوبهم مرض، وسوء ظن بالله تعالى، وأنهم سيعتذرون بأن أموالهم وأهليهم شغلتهم عن الخروج في الجهاد، وأنهم طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لهم، قال الله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} فإن طلبهم الاستغفار من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على ندمهم وإقرارهم على أنفسهم بالذنب، وأنهم تخلفوا تخلفا يحتاج إلى توبة واستغفار، فلو كان هذا الذي في قلوبهم، لكان استغفار الرسول نافعا لهم، لأنهم قد تابوا وأنابوا، ولكن الذي في قلوبهم، أنهم إنما تخلفوا لأنهم ظنوا بالله ظن السوء."
فظنوا {أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا} أي: إنهم سيقتلون ويستأصلون، ولم يزل هذا الظن يزين في قلوبهم، ويطمئنون إليه، حتى استحكم، وسبب ذلك أمران:
أحدها: أنهم كانوا {قَوْمًا بُورًا} أي: هلكى، لا خير فيهم، فلو كان فيهم خير لم يكن هذا في قلوبهم.
الثاني: ضعف إيمانهم ويقينهم بوعد الله، ونصر دينه، وإعلاء كلمته، ولهذا قال: {وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي: فإنه كافر مستحق للعقاب، {فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا} (3)