فهرس الكتاب

الصفحة 652 من 1150

وَأَهْلِيكُمْ، أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بِتَثْمِيرِهِ أَمْوَالَكُمْ وَإِصْلَاحِهِ لَكُمْ أَهْلِيكُمْ، فَمَنْ ذَا الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ مَا أَرَادَ اللَّهُ بِكُمْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَاللَّهُ لَا يَعَازُّهُ أَحَدٌ، وَلَا يُغَالِبُهُ غَالِبٌ

وما الْأَمْرُ كَمَا يَظُنُّ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ مَا هُمْ عَلَيْهَا مُنْطَوُونَ مِنَ النِّفَاقِ، بَلْ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ خَبِيرًا، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ خَلْقِهِ، سِرِّهَا وَعَلَانِيَتِهَا، وَهُوَ مُحْصِيهَا عَلَيْهِمْ حَتَّى يُجَازِيَهُمْ بِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ حِينَ أَرَادَ الْمَسِيرَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ مُعْتَمِرًا اسْتَنْفَرَ الْعَرَبَ وَمَنْ حَوْلَ مَدِينَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْبَوَادِي وَالْأَعْرَابِ لِيَخْرُجُوا مَعَهُ حَذَرًا مِنْ قَوْمِهِ قُرَيْشٍ أَنْ يَعْرِضُوا لَهُ الْحَرْبَ، أَوْ يَصُدُّوهُ عَنِ الْبَيْتِ، وَأَحْرَمَ هُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَةِ، وَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ، لِيُعْلِمَ النَّاسَ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ حَرْبًا، فَتَثَاقَلَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْرَابِ، وَتَخَلَّفُوا خِلَافَهُ فَهُمُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِقَوْلِهِ: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا} [الفتح: 11] الْآيَةَ

ويَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِهَؤُلَاءِ الْأَعْرَابِ الْمُعْتَذِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ سَفَرِهِ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: {شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا} [الفتح: 11] مَا تَخَلَّفْتُمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ شَخَصَ عَنْكُمْ، وَقَعَدْتُمْ عَنْ صُحْبَتِهِ مِنْ أَجْلِ شُغْلِكُمْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَهْلِيكُمْ، بَلْ تَخَلَّفْتُمْ بَعْدَهُ فِي مَنَازِلِكُمْ، ظَنًّا مِنْكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ سَيَهْلِكُونَ، فَلَا يَرْجِعُونَ إِلَيْكُمْ أَبْدًا بِاسْتِئْصَالِ الْعَدُوِّ إِيَّاهُمْ وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ، وَحَسَّنَ الشَّيْطَانُ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ، وَصَحَّحَهُ عِنْدَكُمْ حَتَّى حَسُنَ عِنْدَكُمُ التَّخَلُّفُ عَنْهُ، فَقَعَدْتُمْ عَنْ صُحْبَتِهِ {وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوءِ} [الفتح: 12] يَقُولُ: وَظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَنْ يَنْصُرَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، وَأَنَّ الْعَدُوَّ سَيَقْهَرُونَهُمْ وَيَغْلِبُونَهُمْ فَيَقْتُلُونَهُمْ، فعَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ} [الفتح: 11] إِلَى قَوْلِهِ: {وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا} [الفتح: 12] قَالَ: «ظَنُّوا بِنَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ لَنْ يَرْجِعُوا مِنْ وُجْهِهِمْ ذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ سَيَهْلِكُونَ، فَذَلِكَ الَّذِي خَلَّفَهُمْ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»

وَقَوْلُهُ: {وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا} [الفتح: 12] يَقُولُ: وَكُنْتُمْ قَوْمًا هَلْكَى لَا يَصْلُحُونَ لِشَيْءٍ مِنَ الْخَبَرِ. (1)

وقال حومد:"لمَا اتَّجَهَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلى مَكَّةَ مَعْتَمِرًا عَامَ الحُدَيْبِيَةِ اسْتَنْفَرَ القَبَائِلَ المُسْلِمَةَ التِي تَقِيمُ حَوْلَ المَدِينةِ، فَنَفَر أًُنَاسٌ وَتَبَاطَأ أُنَاسٌ وَكَانَ مِمَّنْ تَبَاطَأَ واعْتَذَرَ عَنِ الخُرُوجِ مَعَهُ: قَبَائِلُ جُهَينَةَ وَمُزَيْنَةَ وَغِفَارٍ وَأَشْجَعَ وَأسْلَمَ، وَقَالُوا للرَّسُولِ مُعتَذرينَ:"

إِنَّ أَمْوَالهم وَأَهْلِيهمْ قَدْ شَغَلَتْهُمْ عَنِ الخُرُوجِ مَعَهُ، وَلكِنَّهُمْ في الحَقِيقَةِ كَانُوا ضِعَافَ الإِيمَانِ، خَائِفِينَ مِنْ مُواجَهَةِ قُريشٍ وَثَقيفٍ وَكِنَانَةَ وَالقَبائِلِ المُحَالِفَةِ لقريشٍ حوْلَ مَكَّةَ. وَقَالَ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت