فبينا هم في ذلك النّور إذ غدا ... إلى نورهم سهم من الموت مقصد
فأصبح محمودًا إلى الله راجعًا ... يبكّيه حقّ المرسلات ويحمد
وأمست بلاد الحرم وحشا بقاعها ... لغيبة ما كانت من الوحي تعهد
قفارا سوى معمورة اللّحد ضافها ... فقيد يبكّيه بلاط وغرقد
ومسجده فالموحشات لفقده ... خلاء له فيه مقام ومقعد
وبالجمرة الكبرى له ثمّ أوحشت ... ديار وعرصات وربع ومولد
فبكى رسول الله يا عين عبرة ... ولا أعرفنك الدّهر دمعك يجمد
وما لك لا تبكين ذا النّعمة الّتي ... على النّاس منها سابغ يتغمّد
فجودي عليه بالدّموع وأعولي ... لفقد الّذي لا مثله الدّهر يوجد
وما فقد الماضون مثل محمّد ... ولا مثله حتّى القيامة يفقد
أعفّ وأوفى ذمّة بعد ذمّة ... وأقرب منه نائلا لا ينكّد
وأبذل منه للطّريف وتالد ... إذا ضنّ معطاء بما كان يتلد
وأكرم صيتًا في البيوت إذا انتمى ... وأكرم جدًّا أبطحيًّا يسوّد
وأمنع ذروات وأثبت في العلا ... دعائم عزّ شاهقات تشيّد
وأثبت فرعا في الفروع ومنبتا ... وعودا غذاه المزن فالعود أغيد
ربّاه وليدا فاستتمّ تمامه ... على أكرم الخيرات ربّ ممجّد
تناهت وصاة المسّلمين بكفّه ... فلا العلم محبوس ولا الرّأي يفند
أقول ولا يلقى لقولي عائب ... من النّاس إلا عازب العقل مبعد
وليس هواي نازعا عن ثنائه ... لعلّي به في جنّة الخلد أخلد
مع المصطفى أرجوا بذاك جواره ... وفي نيل ذاك اليوم أسعى وأجهد
وقال حسان بن ثابت أيضا [يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم] :
ما بال عينك لا تنام كأنّما ... كحلت مآقيها بكحل الأرمد
جزعًا على المهديّ أصبح ثاويًا ... يا خير من وطئ الحصى لا تبعد
وجهي يقيك التّرب لهفي ليتني ... غيّبت قبلك في بقيع الغرقد
بأبي وأمي من شهدتّ وفاته ... في يوم الاثنين النّبيّ المهتدي