فهرس الكتاب

الصفحة 666 من 830

وبعد: فلما كانت هذه الأمة المرحومة والملة التي أمست أخبارها بمسك الظلام على كافور الصباح مرقومة, خير أمة أخرجت للناس, وأشرف ملة أبطل فضلها المنصوص من غيرها قواعد القياس, علماؤها كأنبياء بني اسرائيل, وأمراؤها كملوك فارس في التنويه والتنويل, وفضلاؤها آربوا على حكماء الهند واليونان في التعليم والتعليل, كم فيهم من فرد جمع المفاخر وكاثرت مناقبه البحور الزواخر, وغدا في الأوائل وهو أمام فات سوابق الأواخر, وما أحسن قول الأرجاني:

إذا عرف الإنسان أخبار من مضى *** توهمته قد عاش في أول الدهر

وتحسبه قد عاش آخر دهره *** إلى الحشر إن أبقى الجميل من الذكر

فقد عاش كل الدهر من كان عالما كريما حليما, فاغتنم أطول العمر وربما أفاد التاريخ حزما وعزما, وموعظة وعلما, وهمة تذهب هما, وبيانا يزيل وهنا ووهما, وجيلا تثار للأعادي من مكامن المكائد, وسبلا لا تعرج بالأماني إلى أن تقع من المصائب في مصائد, وصبرا يبعثه التأسي بمن مضى, واحتسابا يوجب الرضا, بما مر وحلا من القضا, ( وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) (هود:120) , فكم تشبت من وقف على التواريخ بإذيال معال تنوعت أجناسها, وتشبه بمن أخلده خموله إلى الأرض وأصعده سعده إلى السهى, لأنه أخذ التجارب مجانا ممن أنفق فيها عمره, و تجلت له العبر في مرآة عقله فلم تطفح لها من قلبه جمرة, ولم تسفح لها في خده عبرة, (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (يوسف:111)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت