وبعد: فإن العلم محيط بأن السنن أحكام جارية على المرء في دينه, في خاصة نفسه, وفي أهله وماله, ومعلوم أن من حكم بقوله وقضى بشهادته فلا بد من معرفة اسمه, ونسبه, وعدالته, والمعرفة بحاله, ونحن وإن كان الصحابة - رضي الله عنهم - قد كفينا البحث عن أحوالهم, لإجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة على أنهم كلهم عدول, فواجب الوقوف على أسمائهم, والبحث عن سيرهم, وأحوالهم ليهتدي بهديهم, فهم خير من سلك سبيله, واقتدى به, وأقل ما في ذلك معرفة المرسل من المسند, وهو علم جسيم لا يعذر أحد ينسب إلى علم الحديث بجهله, ولا خلاف علمته بين العلماء أن الوقوف على معرفة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أوكد علم الخاصة, وأرفع علم أهل الخبر, وبه ساد أهل السير, وما أظن أهل الدين من الأديان إلا وعلماؤهم معنيون بمعرفة أصحاب أنبيائهم, لأنهم الواسطة بين النبي وبين أمته,
وقد جمع قوم من العلماء في ذلك كتبا صنفوها, ونظرت إلى كثير مما صنفوه في ذلك, وتأملت ما ألفوه, فرأيتهم رحمة الله عليهم قد طولوا في بعض ذلك, وأكثروا من تكرار الرفع في الأنساب, ومخارج الروايات, وهذا وإن كان له وجه فهو تطويل على من أحب علم يعتمد عليه من أسمائهم ومعرفتهم, وهم مع ذلك قد أضربوا عن التنبيه على عيون أخبارهم, التى يوقف بها على مراتبهم, ورأيت كل واحد منهم قد وصل إليه من ذلك شيء ليس عند صاحبه
فرأيت أن أجمع ذلك, وأختصره وأقربه على من أراده, وأعتمد في ذلك على النكت التى هي البغية من المعرفة بهم, و أشير إلى ذلك بألطف ما يمكن, وأذكر عيون فضائل ذي الفضل منهم وسابقته ومنزلته, وأبين مراتبهم بأوجز ما تيسر و أبلغه, ليستغني اللبيب بذلك, ويكفيه عن قراءة التصنيف الطويل فيه