وهذا كقوله تعالى في الرِّيح التى سلَّطها على قوم عاد: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} [الأحقاف: 25] أى: كل شىء يقبلُ التدمير، ومِن شأن الرِّيح أن تدمِّره، ونظائرُه كثيرة.
ومَن تأمَّل خلْقَ الأضداد في هذا العالَم، ومقاومةَ بعضِها لبعض، ودفْعَ بعضِها ببعض، وتسليطَ بعضِها على بعض، تبيَّن له كمالُ قدرة الرب تعالى، وحِكمتُه، وإتقانُه ما صنعه، وتفرُّدُه بالربوبية، والوحدانية، والقهر، وأنَّ كل ما سواه فله ما يُضاده ويُمانِعُه، كما أنه الغنىُّ بذاته، وكُلُّ ما سِواه محتاجٌ بذاته.
وفى الأحاديث الصحيحةِ الأمرُ بالتداوى، وأنه لا يُنَافى التوكل، كما لا يُنافيه دفْع داء الجوع، والعطش، والحرّ، والبرد بِأضدادها، بل لا تتم حقيقةُ التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التى نَصَبها الله مقتضياتٍ لمسبَّبَاتها قدرًا وشرعًا، وأن تعطيلها يقَدَحُ في نفس التوكل، كما يَقْدَحُ في الأمر والحكمة، ويضعفه من حيث يظن مُعطِّلُها أنَّ تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجزًا يُنافى التوكلَ الذى حقيقتُه اعتمادُ القلب على الله في حصولِ ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفْعِ ما يضرُّه في دينه ودنياه، ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب؛ وإلا كان معطِّلًا للحكمة والشرع، فلا يجعل العبدُ عجزه توكلًا، ولا توكُّلَه عجزًا.
وفيها رد على مَن أنكر التداوى، وقال: إن كان الشفاء قد قُدِّرَ،
فالتداوى لا يفيد، وإن لم يكن قد قُدِّرَ، فكذلك. وأيضًا، فإنَّ المرض حصل بقَدَر الله، وقدَرُ الله لا يُدْفَع ولا يُرد، وهذا السؤال هو الذى أورده الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما أفاضلُ الصحابة، فأعلَمُ بالله وحكمته وصفاتِه من أن يُورِدوا مِثْلَ هذا، وقد أجابهم النبىُّ صلى الله عليه وسلم بما شفى وكفى، فقال: هذه الأدويةُ والرُّقَى والتُّقَى هى مِن قَدَر الله، فما خرج شىءٌ عن قَدَره، بل يُرَدُّ قَدَرُه بقَدَرِه، وهذا الرَّدُّ مِن قَدَره. فلا سبيلَ إلى الخروج عن قَدَرِه بوجه ما، وهذا كردِّ قَدَرِ الجوع، والعطش، والحرِّ، والبرد بأضدادها، وكردِّ قَدَرِ العدُوِّ بالجهاد، وكلٌ من قَدَرِ الله: الدَافِعُ، والمدفوعُ، والدَّفْعُ.
ويقال لمُوردِ هذا السؤال: هذا يُوجبُ عليك أن لا تُباشر سببًا من الأسباب التى تَجلِبُ بها منفعة، أو تَدَفعُ بها مضرَّة، لأن المنفعة والمضرَّة إن قُدِّرَتا، لم يكن بدٌ من