فصل
وكان من هَدِْيه الشُّربُ قاعدًا، هذا كان هديَه المعتادَ وصحَّ عنه أنه نهى عن الشُّرب قائمًا، وصحَّ عنه أنه أمر الذى شرب قائمًا أن يَسْتَقىءَ، وصَحَّ عنه أنه شرب قائمًا.
فقالت طائفةٌ: هذا ناسخٌ للنهى، وقالت طائفةٌ: بل مبيِّنٌ أنَّ النهىَ ليس للتحريم، بل للإرشاد وتركِ الأوْلى، وقالت طائفةٌ: لا تعارُضَ بينهما أصلًا، فإنه إنما شَرِبَ قائمًا للحاجة، فإنه جاء إلى زمزمَ، وهم يَستَقُون منها، فاستَقَى فناولُوه الدَّلوَ، فشرب وهو قائم، وهذ كان موضعَ حاجة.
وللشرب قائمًا آفاتٌ عديدة منها: أنه لا يحصل به الرِّىُّ التام، ولا يستَقِرُّ في المَعِدَة حتى يَقْسِمَه الكبدُ على الأعضاء، وينزلُ بسرعة وَحِدَّة إلى المَعِدَة، فيُخشى منه أن يُبردَ حرارتَها، ويُشوشها، ويُسرع النفوذ إلى أسفل البدن بغير تدريج، وكلُّ هذا يَضُرُّ بالشارب، وأمَّا إذا فعله نادرًا أو لحاجة، لم يَضره، ولا يُعترض بالعوائد على هذا، فإنَّ العوائد طبائعُ ثوانٍ، ولها أحكامٌ أُخرى، وهى بمنزلة الخارج عن القياس عند الفقهاء.
فصل
وفى"صحيح مسلم"من حديث أنس بن مالك، قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَتنفَّسُ في الشَّراب ثلاثًا، ويقولُ:"إنه أرْوَى وأمْرَأُ وأبْرَأُ"
الشراب في لسان الشارع وحمَلَةِ الشرع: هو الماء، ومعنى تنفُّسِه في الشراب: إبانتُه القَدَح عن فيه، وتنفُّسُه خارجَه، ثم يعود إلى الشراب، كما جاء مصرَّحًا به في الحديث الآخر:"إذا شَرِبَ أحَدُكُم فَلا يَتنفَّسْ في القَدَحِ، ولكنْ لِيُبِنِ الإناءَ عن فيهِ"
وفى هذا الشرب حِكمٌ جَمَّة، وفوائدٌ مهمة، وقد نبَّه صلى الله عليه وسلم على مَجامِعها، بقوله:"إنه أروَى وأمرَأ وأبرأ"فأروَى: أشدُّ ريًَّا، وأبلغُه وأنفعُه، وأبرأُ: أفعلُ من البُرء، وهو