فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 316

للماء تغذية ألبتة. قالوا: وأيضًا الطعام إنما يُغذِّى بما فيه من المائية، ولولاها لما حصلت به التغذيةُ.قالوا: ولأن الماء مادة حياة الحيوان والنبات، ولا ريب أنَّ ما كان أقربَ إلى مادة الشىء، حصلت به التغذية، فكيف إذا كانت مادته الأصلية، قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ} [الأنبياء: 30] ، فكيف

ننكِرُ حصولَ التغذية بما هو مادة الحياة على الإطلاق ؟

قالوا: وقد رأينا العطشان إذا حصل له الرِّىُّ بالماء البارد، تراجعت إليه قواه ونشاطُه وحركته، وصبرَ عن الطعام، وانتفع بالقدر اليسير منه، ورأينا العطشانَ لا ينتفِعُ بالقدرِ الكثير مِن الطعام، ولا يجد به القوة والاغتذاءَ، ونحن لا ننكِرُ أنَّ الماءَ يُنفِذُ الغذاء إلى أجزاء البدن، وإلى جميع الأعضاء، وأنه لا يتم أمر الغذاء إلا به، وإنما ننكر على مَن سلب قوةَ التغذية عنه ألبتة، ويكاد قولُه عندنا يدخُل في إنكار الأُمورالوجدانية.

وأنكرت طائفةٌ أُخرى حصولَ التغذية به، واحتجَّت بأُمور يرجعُ حاصِلُها إلى عدم الاكتفاء به، وأنه لا يقومُ مقام الطعام، وأنه لا يزيد في نموِّ الأعضاء، ولا يخلف عليها بدل ما حلَّلتْه الحرارةُ، ونحو ذلك مما لا ينكره أصحاب التغذية، فإنهم يَجعلون تغذيته بحسب جوهره، ولطافته ورقته، وتغذيةُ كل شىء بحسبه، وقد شُوهد الهواءُ الرَّطب البارد اللَّين اللَّذيذ يُغذِّى بحسبه، والرائحة الطيبة تُغذِّى نوعًا من الغذاء، فتغذية الماء أظهر وأظهر.

والمقصودُ: أنه إذا كان باردًا، وخالطه ما يُحليه كالعسل أو الزبيب، أو التمر أو السكر، كان من أنفع ما يدخل البدن، وحفِظَ عليه صحته، فلهذا كان أحبُّ الشرابِ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم البارِدَ الحلوَ. والماءُ الفاتِرُ ينفخ، ويفعل ضدَّ هذه الأشياء.

ولما كان الماء البائت أنفعَ من الذى يُشرب وقتَ استقائه، قال النبىُّ صلى الله عليه وسلم وقد دخل إلى حائط أبى الهيثم بن التيهان:"هَلْ من ماءٍ بات في شَنَّة"؟ فأتاه به، فشرب منه، رواه البخارى ولفظُه:"إنْ كان عِنْدَكَ"

ماءٌ باتَ في شَنَّة وإلاَّ كَرَعْنَا".والماء البائت بمنزلة العجين الخمير، والذى شُرِب لوقته بمنزلة الفطير، وأيضًا فإنَّ الأجزاء الترابية والأرضية تُفارقه إذا بات، وقد ذُكِر أنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم كان يُسْتَعْذَبُ له الماء،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت