طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء: 160] ، وإنما حرَّم على هذه الأُمة ما حَرَّم لخبثه، وتحريمُه له حِمية لهم، وصيانة عن تناوله، فلا يُناسِبُ أن يُطلَبَ به الشِّفاءُ من الأسقام والعِلل، فإنه وإن أثَّر في إزالتها، لكنه يُعْقِبُ سَقَمًا أعظمَ منه في القلب بقوة الخُبث الذى فيه، فيكون المُدَاوَى به قد سعى في إزالة سُقْم البدن بسُقْم القلب.
وأيضًا فإنَّ تحريمه يقتضى تجنُّبه والبُعدَ عنه بكُلِّ طريق، وفى اتخاذه دواء حضٌ على الترغيب فيه وملابسته، وهذا ضِدُّ مقصود الشارع، وأيضًا فإنه داء كما نصَّ عليه صاحبُ الشريعة، فلا يجوز أن يُتخذ دواءً.
وأيضًا فإنه يُكْسِبُ الطبيعة والروح صفةَ الخبث، لأن الطبيعة تنفعِلُ عن كيفية الدواء انفعالًا بَيِّنًا، فإذا كانت كيفيتُه خبيثةً، اكتسبت الطبيعةُ منه خُبثًا، فكيف إذا كان خبيثًا في ذاته، ولهذا حرَّم الله سبحانه على عباده الأغذيةَ والأشربةَ والملابِسَ الخبيثة، لما تُكسب النفسَ من هيئة الخبث وصفته.
وأيضًا فإنَّ في إباحة التداوى به، ولا سِيَّما إذا كانت النفوسُ تميل إليه ذريعةً إلى تناوله للشهوة واللَّذة، لا سِيَّما إذا عرفت النفوسُ أنه نافع لها مزيلٌ لأسقامِها جالبٌ لِشفائها، فهذا أحبُّ شىءٍ إليها، والشارعُ سدَّ الذريعة إلى تناوله
بكُلِّ ممكن، ولا ريبَ أنَّ بينَ سدِّ الذريعة إلى تناوله، وفَتْحِ الذريعة إلى تناوله تناقضًا وتعارضًا.
وأيضًا فإنَّ في هذا الدواء المحرَّم من الأدواء ما يزيدُ على ما يُظَن فيه من الشِّفاء، ولنفرضْ الكلام في أُمِّ الخبائث التى ما جعل الله لنا فيها شفاءً قَطُّ، فإنها شديدةُ المضرَّة بالدماغ الذى هو مركزُ العقل عند الأطباء، وكثير من الفقهاء والمتكلمين.
قال"أبقراط"فى أثناء كلامه في الأمراض الحادة: ضرر الخمرة بالرأس شديد. لأنه يُسرع الارتفاع إليه. ويرتفع بارتفاعه الأخلاط التى تعلو في البدن، وهو لذلك يضر بالذهن.
وقال صاحب"الكامل": إنَّ خاصية الشَّراب الإضرارُ بالدماغ والعَصَب.
وأمَّا غيرُه من الأدوية المحرَّمة فنوعان:
أحدهما: تعافُه النفس ولا تنبعِثُ لمساعدته الطبيعةُ على دفع المرض به كالسموم، ولحوم الأفاعى وغيرها من المستقذرات، فيبقى كَلًا على الطبيعة مثقلًا لها، فيصير حينئذ داءً لا دواء.
والثانى: ما لا تَعافُه النفس كالشراب الذى تستعمِلُه الحوامل مثلًا، فهذا ضررُه أكثرُ من نفعه،