فامتلاءُ البطن من الطعام مضرٌ للقلب والبدن. هذا إذا كان دائمًا أو أكثريًا. وأما إذا كان في الأحيان، فلا بأس به، فقد شرب أبو هريرة بحضرة النبى صلى الله عليه وسلم من اللَّبن، حتى قال: والَّذِى
بعثكَ بالحقِّ لا أجدُ له مَسْلَكًا، وأكل الصحابةُ بحضرته مرارًا حتى شَبِعوا
والشِّبَعُ المفرط يُضعف القُوَى والبدن، وإنْ أخصبَه، وإنما يَقوَى البَدَنُ بحسب ما يَقْبَلُ من الغذاء، لا بِحَسَبِ كثرته.
ولما كان في الإنسان جزءٌ أرضىّ، وجزءٌ هوائىّ، وجزءٌ مائىّ، قسم النبى صلى الله عليه وسلم، طعامَه وشرابَه ونَفَسَه على الأجزاء الثلاثة فإن قيل: فأين حظ الجزء النارى ؟
قيل: هذه مسألةٌ تكلَّم فيها الأطباء، وقالوا: إنَّ في البدن جزءًا ناريًا بالفعل، وهو أحد أركانه وأسْطُقْسَاته.
ونازعهم في ذلك آخرون من العقلاء من الأطباء وغيرهم وقالوا: ليس في البدن جزءٌ نارى بالفعل، واستدلوا بوجوه:
أحدُها: أنَّ ذلك الجزء النارى إما أن يُدعى أنه نزل عن الأثير، واختلط بهذه الأجزاء المائية والأرضية، أو يقال: إنه تولَّد فيها وتكوَّن، والأول مستبعَد لوجهين، أحدهما: أنَّ النار بالطبع صاعدة، فلو نزلت، لكانت بقاسِرٍ من مركزها إلى هذا العالَم. الثانى: أن تلك الأجزاء النارية لا بُدَّ في نزولها أن تعبُرَ على كُرة الزَّمهرير التى هى في غاية البرد، ونحن نشاهد في هذا العالَم أنَّ النار العظيمة تنطفئ بالماء القليل، فتلك الأجزاء
الصغيرة عند مرورها بكُرة الزَّمهرير التى هى في غاية البرد ونهاية العِظَم، أولى بالانطفاء.
وأما الثانى: وهو أن يقال: إنها تكوَّنت ههنا فهو أبعد وأبعد، لأن الجسم الذى صار نارًا بعد أن لم يكن كذلك، قد كان قبلَ صيرورته إما أرضًا، وإما ماءً، وإما هواء لانحصار الأركان في هذه الأربعة، وهذا الذى قد صار نارًا أولًا، كان مختلطًا بأحد