وقال أحمد بن الحسين المتنبى:
وَمَا التِّيهُ طِبِّى فِيهِمُ غَيْرَ أَنَّنِى بَغِيضٌ إلَىَّ الْجَاهِلُ الْمُتَعَاقِلُ
ومنها: السِّحر؛ يقال: رجل مطبوب، أى: مسحور، وفى"الصحيح"من حديث عائشة لمَّا سحرت يهودُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وجلس الملَكَانِ عِنْدَ رأسه وعند رجليه، فقال أحدهما: ما بالُ الرَّجُلِ ؟ قال الآخر: مَطْبُوبٌ. قال: مَن طَبَّه ؟ قال: فلان اليهودىُّ.
قال أبو عبيد: إنما قالوا للمسحور: مَطْبُوب؛ لأنهم كنَّوْا بالطِّبِّ عن السِّحر، كما كنَّوا عن اللَّديغ، فقالوا: سليمٌ تفاؤلًا بالسلامة، وكما كنَّوا بالمفازة عن الفلاة المُهلكة التى لا ماء فيها، فقالوا: مفازة تفاؤلًا بالفوز من الهلاك. ويقال الطِّبُّ لنفس الداء. قال ابْنُ أبى الأسلت:
أَلاَ مَنْ مُبْلِغٌ حَسَّانَ عَنِّى ... أَسِحْرٌ كَانَ طِبُّكَ أَمْ جُنُونُ ؟
وأما قول الحماسى:
فإن كُنْتَ مَطْبُوبًا فَلا زِلْتَ هَكَذَا ... وإن كُنْتَ مَسْحُورًا فلا بَرِئَ السِّحْرُ
فإنه أراد بالمطبوب الذى قد سُحِر، وأراد بالمسحور: العليل بالمرض.
قال الجوهرى: ويقال للعليل: مسحور. وأنشد البيت. ومعناه: إن كان هذا الذى قد عرانى منكِ ومِن حُبِّك أسألُ اللهَ دوامه، ولا أريدُ زواله، سواء أكان سحرًا أو مرضًا.
والطبُّ: مثلثُ الطاء، فالمفتوح الطاءُ: هو العالِم بالأُمور، وكذلك الطبيبُ يقال له: طَب أيضًا. والطِّبُّ: بكسر الطاء: فِعْلُ الطبيب، والطُّبُّ بضم الطاء: اسم موضع. قاله ابن السِّيد، وأنشد:
فَقُلْتُ هَل انْهَلْتُم بِطُبَّ رِكَابَكُمْ بِجَائِزَةِ الماءِ التى طَابَ طينُهَا
وقوله صلى الله عليه وسلم:"مَنْ تَطَبَّبَ"ولم يقل: مَن طَبَّ، لأن لفظ التَّفعل يدل على تكلُّف الشىء والدخول فيه بُعسر وكُلفة، وأنه ليس من أهله، كتَحَلَّم وتشجَّع وتصبَّر ونظائرِها، وكذلك بَنَوْا تكلَّف على هذا الوزن، قال الشاعر:
وَقَيسَ عَيْلانَ ومَنْ تَقَيَّسَا ...
وأما الأمر الشرعىُّ: فإيجابُ الضمان على الطبيب الجاهل، فإذا تعاطى عِلمَ الطِّب وعمله، ولم يتقدم له به معرفة، فقد هَجم بجهله على إتلافِ الأنفس، وأقْدَم بالتهوُّر