فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 316

الشىء ولم يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلةً في شىء من صدقه، لقيام الدليل والإجماعِ على عصمته من هذا، وإنَّما هذا فيما يجوز طُرُوُّه عليه في أمر دنياه التى لم يُبعث لسببها، ولا فُضِّل مِن أجلها، وهو فيها عُرضةٌ للآفات كسائر البَشَر، فغيرُ بعيد أنه يُخيَّلَ إليه من أُمورها ما لا حقيقةَ له، ثم يَنجلى عنه كما كان.

والمقصود: ذِكرُ هَدْيِه في علاج هذا المرض، وقد رُوى عنه فيه نوعان:

أحدهما وهو أبلغُهما: استخراجُه وإبطاله، كما صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه سأل ربَّه سبحانه في ذلك؛ فدُلَّ عليه، فاستَخْرَجه من بئر، فكان في مِشْطٍ ومُشَاطَةٍ، وجُفِّ طَلْعَةِ ذَكَر، فلمَّا استَخْرَجه، ذهب ما به، حتى كأنَّما أُنْشِطَ من عِقال، فهذا من أبلغ ما يُعالَجُ به المَطْبُوبُ، وهذا بمنزلة إزالةِ المادة الخبيثة وقلْعِها مِن الجسد بالاستفراغ.

والنوع الثانى: الاستفراغُ في المحل الذى يَصِلُ إليه أذى السِّحر، فإنَّ للسِّحر تأثيرًا في الطبيعة، وهَيَجانِ أخلاطها، وتشويشِ مِزاجها، فإذا ظهر أثرُهُ في عضو، وأمكن استفراغُ المادة الرديئة من ذلك العضو، نَفَع جدًا.

وقد ذكر أبو عُبيدٍ في كتاب"غريب الحديث"له بإسناده، عن عبد الرحمن بن أبى لَيْلَى، أنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم احْتَجمَ على رأسه بقَرْنٍ حين طُبَّ، قال أبو عُبيد: معنى طُبَّ: أى: سُحِرَ.

وقد أشكَل هذا على مَن قَلَّ علمُه، وقال: ما للحجامة والسِّحرِ ؟ وما الرابطةُ بين هذا الداء وهذا الدواء ؟ ولو وَجد هذا القائلُ"أبقراطَ"، أو"ابنَ سينا"أو غيرَهما قد نَصَّ على هذا العلاجِ، لَتَلقَّاه بالقبولِ والتسليم، وقال: قد نَصَّ عليه مَن لا يُشَكُّ في معرفته وفضله.

فاعلم أنَّ مادة السِّحر الذى أُصيب به صلى الله عليه وسلم انتهت إلى رأسه إلى إحدى قُواه التى فيه بحيث كان يُخيَّل إليه أنه يفعل الشىءَ ولم يفعله، وهذا تصرُّف من الساحر في الطبيعة والمادة الدموية بحيث غلبت تلك المادة على البطن المقدم منه، فغيَّرت مِزاجه عن طبيعته الأصلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت