ويحكي عن اختيار القفال والشيخ أبي علي.
قال: وقيل: لا تسمع؛ لأن دعواه غير مسموعة لمناقضتها إقرار الأول، والبينة فرع الدعوى، وإذا لم يسمع الأصل لم يثبت الفرع، وهذا ما اختاره ابن أبي هريرة، وذكر الإمام في باب الوكالة أنه الأظهر، والغزالي ثَمَّ: أنه الأصح، واختاره في"المرشد".
والقائلون بالأول قالوا: المودع قد أنشأ الآن قولًا ممكنًا، وقوله الأول يجوز أن يكون لنسيان، والدعوى قول ممكن؛ فإذا اعتضدت البينة ثبت المقصود بها؛ ولهذا لو قال: لا بينة لي، ثم أحضر بينة - سمعت لهذا المعنى.
قال الإمام: وإنما لا تقبل البينة إذا كان قول من يقيمها عند إقامتها يناقضها. وطرد هذا القول في كل من سبق منه قول مناقض ورجع عنه وكذب نفسه فيه، وأقام على وفق القول الثاني بينة، وهذا يلزمه عليه مسألة المرابحة، وهي ما إذا قال: اشتريته بمائة، ثم قال: اشتريته بمائة وعشرة - فإنه لا يقبل وإن أقام بينةً، اللهم إلا أن يبدي عذرًا - كما ذكرناه في موضعه - فإن في سماع البينة خلافًا، فإن كان قد أراد هاهنا هذه الحالة فقد خرج عن عهدة السؤال، مع أن كلامه يوهم إجراءه مطلقًا؛ ولهذا قال الرافعي: قد حكيت عن بعض الأصحاب في مسألة المرابحة: أنهم فرقوا بين أن يذكر وجهًا محتملًا في الغلط أو ال يذكر، ولم يتعرضوا لمثله هاهنا، والتسوية بينهما متجهة.
وعلى كل حال: فالجمهور متفقون في مسألة المرابحة على عدم سماع البينة، وهاهنا على السماع، وقد أشرت إلى فرق لطيف بينهما في"باب المرابحة"، وقد يظهر بينهما فرق آخر: وهو أن ما حصل به بالتضاد من قول المودع ثانيًا: أودعتني، بعد قوله أولًا: ما أودعتني - مالكُ الوديعة موافق له عليه، وهو معمول به؛ لأنه إقرار بعد إنكار، وأيضًا: فإن البينة غير معمول بها في إثبات