المستمر في الكون؛ وإما مخلوقات لها إرادة تستثمرها في الطاعة أو العصيان قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) (الحج: من الآية18) ، وليسود الإنسجام في الكون بين جميع الأمم من المخلوقات شرع الله عز وجل لهؤلاء الناس أحكام وسننا شرعية تضبط حركة حياتهم - كما هو الشأن في سسن الكونية - تمثل المسلك الوحيد للإنتماء لهذه المنضومة الكونية المنسجمة العابدة الموحدة لله عز وجل وعبره يتم السلام الكوني: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) (الروم: من الآية41) .
و بما أن أمر الله قد على في خلقه قال تعالى: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (لأعراف: من الآية54) ، وقال أيضا: (وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ) (النحل:52) ، فمِن حقه تعالى إذن على الفئة المؤمنة أن تُعْلي أمره الشرعي الذي شرفها به وأن تُظهر دينه كما على أمره الكون، وفي هذا صدد قال جل وعلى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة:33) / (الصف:9) .
فالهدف إذن من وجود الدين هو العلو والظهور اللذان هما من حقوق الله عز وجل.
توحيد الألوهية: ويعني توحيد الله عز وجل بجل أعمال العبد من الشعائر التعبدية والولاء والبراء والحكم والتشريع، ويكون ذلك بالقلب أو/و باللسان أو/و بالجوارح، اعتقادا وسلوكا.
الشعائر التعبدية: يقول الله عز وجل: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:162) ، ومن هنا تتحدد شمولية العبادة لله عز وجل في جميع مجالات الحياة (مَحْيَايَ) ، بل وحتى الممات (وَمَمَاتِي) يكون لله عز وجل، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:111) ، فبالجهاد نتعد الله لأنه يفسح المجال للمجاهدين ليكون موتهم لله.
إن الإمتثال للأوامر الإلاهية يمثل التحقيق الفعلي لمقتضيات توحيد الأولوهية، و في هذا الصدد كان الأمر بوجوب القتال واضحا لا لبس فيه كما هو الشأن للشعائر الأخرى كالصيام مثلا. فكما أمر سبحانه بصيام رمضان: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183) ، أمر بفس الصيغة والوضوح