كما أنه من حكمته كذلك أن لا ينصرهم في هذه المهمة إلا بعد ابتلائهم وتمحيصهم وتمييزهم ونجاحهم في ثباتهم على منهجه.
لذلك يمثل الصدام المسلح والجهاد القتالي هو ذروة سنام هذه الإختبارات كلها بل إنه من أشدها لأنه فيه تتجمع تلك المحن كلها. وهكذا يؤدي الجهاد دوره الحضاري في إثبات أحقيت الحق على الباطل عبر الفئة المقاتلة.
من يتجول في شوارع أوروبا ويرى العمران الحديث والمتطور والبنى التحتية التى تلبي جميع متطلبات المواطن لم يكد يصدق أن الحرب العالمية الأولى والثانية اللاتى ضمرن الكثير قد مرتا من هنا منذ فقط 60 سنة على الأكثر. ولكن من وضع هذه المرحلة في صياق التاريخ الحضاري وقرأ الأحداث بآليات التصور الإسلامي المسوحى من القرآن كُشِفَ له السر وفهم أن الأمم الكافرة حين يبتليها الله بالبأساء والضراء إنما يكون ذلك لتراجع نفسها ولتتضرع بعد ذلك إلى الله فإن لم ينفع معها ذلك استدرجها سبحانه فيفتح لها أبواب الرزق الغير المبارك - لأن البركة خاصة بالمؤمنين (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) (لأعراف: من الآية96) - لتزداد طغيانا إلى درجة الغرور التام ليأخذها بعد ذلك بما يشاء وكيف ما يشاء، قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ، فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَاسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ، فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:45) .
وهذه سنته تعالى الجارية مع الكفار عبر التاريخ والتى لا تتبدل ولا تتغير لا بفعل الزمان ولا المكان ولا الأمم (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) (فاطر: من الآية43) . هذه السنة تجلت عدة مرات عبر التاريخ في أمم قد خلت (نوح، فرعون، ثمود، لوط، صالح، شعيب، ... ) ، قد لحق بها نفس المصير عبر تصليط ظواهر كونية مختلفة عليها. فكانت الظواهر الكونية هذه آلية السنة الجارية لتذكير الكفار بدينهم وعقيجتهم؛ أما وأن الإسلام هو رسالة للعالمين من جهة وخاتم الرسالات من جهة أخرى فإن الدور الذي كانت تؤديه تلك الظواهر الكونية في تذكير الأمم بدينهم وايعادة التوازن الحضاري بين الأمم فإن هذا الدور أصبح منكالا للمسلمين عبر جهاد الطلب (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَاسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَاسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا) (النساء:84) .