الصفحة 15 من 17

ولكن في مسيرتها الحضارية هذه واجهت تدافعا شرسا من طرف الطواغيت وقوى الشر أدى بها في بعض الأحيان إلى ضعف مرحلي وتراجع تكتيكي لم يثنيها عن تجميع قوتها المعنوية والمادية لمواصلة مهمتها الحضارية التحررية.

وفي كل مرة تصاب فيها بالتراجع كانت تستوحي دائما قواها المعنوية من إيمانها بأن إبتلائها هذا ما هو إلا سنة قدرها الله عز وجل لتراجع ذاتها وتُقوِّم سلوكها لتنطلق من جديد في مسيرتها الجهادية لأن الجهاد/مجال التدافع وآليته يمثل محور وموضوع جميع السنن القدرية التي ترتكز على التدافع بين قوى الحق وقوى الباطل؛ كما تعلم أيضا أن عهد المعجزات قد ولى وأن الله سبحانه وتعالى كلف الأمة الإسلامية بدور تاريخي بإزهاق الباطل وتحقيق الحق يمثل لها تحديا واقعيا لتثبت وتأكيد هويتها التارخية.

1/ 2) الجهاد ومحور السنن القدرية:

من المعلوم أن حقيقة العلاقة بين الإسلام والجاهلية مبنية على صراع عقدي يمنحها من جهة صيغة الديمومة المستوحاة من عمق وأزلية العداوة بين الشيطان/أمير معسكر الشر وبين الإنسان المسلم بفطرته وحالة مد وجزر من جهة أخرى بحسب توفير مقومات النصر لذى هذا الطرف أو ذاك. وهذا الصراع بغض النظر عن الشكل الذي يأخذه، فهو ينتهي دائما إما على وضع قهر أو نفي طرف على يد الطرف الآخر.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الحقيقة - حقيقة العلاقة بين الإسلام والجاهلية - ما هي إلا جزء لا يتجزء من منضومة سننية أعم تشمل التفاعل الحضاري بين مختلف الأمم وتأكد حقيقة التدافع بين مختلف الحضارات إما على أساس إديولوجي - عقدي بحث كما هو الشأن بين الإسلام والجاهلية الذي يمثل المشروع الصهيوني خير مثال عنه، أو على أساس مصلحي في المجال الإقتصادي أو/و السياسي أو/و الإستراتيجي كما هو الشأن في التدافع بين أمريكا والعلم الغربي (أوربا والصين وكوريا الشمالية .. ) ، أو على أساس خلطة ممزجة بوصفات سياسية من الدوافع الإديولوجية والمصلحية كما هو الشأن في الحرب على العراق.

وعلى أساس هذه الحقيقة التاريخية - صراع الحضارات أو تدافع الحضارات كما يحلو للبعض أن يسميها - والتي قد أشار إليها الله عز وجل في محكم تنزيله: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة: من الآية251) ، وفي ظل الحقيقية القدرية التي تفرز الصراع بين الحق والباطل حدد عزوجل قوانين داخلية لكلا من المعسكرين على السواء وقوانين تضبط تفاعلهما عند المحك. فمثلا من عدله تعالى أن لا تقوم لأهل الحق شوكة ومنعة على شكل"واقع التمكين"إلا بعد أن يجتثوا الباطل بأيديهم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت