وهَلْ تَرَى مِنْ سَبيلٍ يُخَلِّصُها بِهِ الراعِي مِنَ الذئبِ عَلَى وَجْهٍ يَرْعَى فيهِ الذئبُ الحقَّ والأدَب؟! ...
أمْ تَرى الراعِيَ سَيَسْتَنْجِدُ بالضباعِ النابِشاتِ قُبُورَ الأَمْواتِ؛ عَساها تَرُدُّ عَليهِ ما فاتَ وتَسْتَدْرِكُ ما ذهب؟!؛ وأُمَّةُ الضِّباعِ كَما قيل:
أَهْوَنُ الأَشْياءِ فِي شِرْعَتِها ... أُمّةٌ تُمْحَى وَشَعْبٌ يُلْتَهم!.
إنَّ السعْيَ الذي بُذِلُ في انْتِزاعِ فِلَسْطينَ مِنْ أَيدِي أَهْلِها لا بَدُّ أنْ يُقابَلُ بِمِثْلِهِ جَرْيًا مَعَ سُنَّةِ التدافُعِ بَينَ الحقِّ والباطِلِ فِي دَارِ الامِتحانِ والابْتلاء، والمُسْلِمُ وغَيرُهُ مَسْتَوونَ في الوُصُولِ إلى النتائجِ بالأسباب؛ فَكما يَتَوصَّلانِ إلى دَفْعِ الجوعِ بالطعامِ والمَرضِ بالتداوي؛ يَسْتَوِيانِ كذلكَ في الأسبابِ المُوصِلَةِ إلى حُصُولِ الدَّوْلِةِ والسلطان!؛ والفَرْقُ بَيْنَهُما: أنَّ المُسْلِمَ لا يَأخُذُ إلا بِسَبَبٍ أَمَرَهُ به الشرع؛ و أَما الكافِرُ فَيَرْكَبُ كُلَّ سَوْداءَ مُظْلِمَةٍ لا يَكْبَحُ جِماحَهُ خُلُقٌّ؛ ولا يَنْهاهُ رَبٌّ ولا دين!.
تَباشِِيرُ الصُّبح:
والسعْيُ الذي يَنْتَهِي بالنجاحِ - بَعْدَ إخْلاصِ الوَجْهِ لله رَبِّ العالَمِين - هُوَ السعْيُ الذي يَعْتَمِدُ المَقْدُورَ مِنَ الأسْبابِ؛ ويَجْتَنِبُ الخيالاتِ والأَوْهامَ؛ التي لا وُجُودَ لها إلاّ في العُقُولِ؛ وأما في الخارجِ والواقِعِ فلا حَقِيقَةَ لها!.
ومِنْ أحْسَنِ ما يُعْجِبِني في هذا المَقامِ قَوْلُ القائلِ:
إِنَّما رَجُلُ الدنْيا وَوَاحِدُها ... مَنْ لا يُعَوِّلُ فِي الدنْيا علَى أَحَد.
وَعَيْنا (مِنَ الوَعْيِ) عَلَى الدُّنْيا مُنْذُ ثلاثِينَ عامًا؛ ونَحْنُ نَسْمَعُ خُطَباءَ الحَماسَةِ يقُولُون:
لَوْ أنَّ المُسْلِمِينَ رَمَى كُلُّ واحِدٍ مِنْهمْ حَصاةً على اليَهُودِ لدَفَنُوهُم أَجْمَعين!!؛ والذي حصَلَ أنَّهم لَمْ يَجْتَمِعُوا لِرَمْيِ حَصاةٍ؛ ولا حَبَّةِ رَمْل!.
ولَوْ أَنّ كُلَّ واحِدٍ مِنْهمْ بَصَقَ! - أكرمَكُمْ الله - عَلى اليَهُودِ لأَغْرَقُوهُم!!؛ وما أَغْرَقُوهُم ولا بَلُّوا بِها أجْسادَهُم!.
ولوْ أنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهم دَفَعَ (رِيالًا) أو (دِرْهَما) لَكَفَيْنا أهْلَ فِلَسْطِينَ صَغِيرَهُم وكَبِيرَهم، ولمَكَّناهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَلَمْ يَحتاجُوا إلى أحَد!!؛ والمُحَصِّلَةُ أنْ لا (رِيالَ) ولا (دِرْهَم) !.
ولَو أَنَّهُمْ زَحَفُوا إلَيْهِمِ بِحَمْعِهِمْ عُزَّلًا سَيْرًا على الأَقْدَامِ لَوَلَّوْا أمامَهَمْ هارِبِينَ!، وما زَحَفُوا؛ ولا مَشَوْا؛ ولا رَكِبُوا؛ ولا طارُوا!!.
وهذا وأَمْثالُهُ هُوَ الذي قُلْتُ لكَ إنهُ ضَربٌ مِنَ الخَيالَ ولا حَقِيقَةَ له، وكَمْ أقْعَدَ هذا عَنِ العَمَلِ مِنْ أُمَم؟!؛ لأَنَّهُمْ ظَنُّوا أنهُ الحَدُّ الذي لا غايَةَ مِنْ وَراءِه!؛ وغابَ عَنْهُمْ أنَّ حَرَكَةَ الأُمَمِ كَحَرَكَةِ القاطِرَةِ؛ تَسِيرُ بِسَيرِ أوَّلِ عَرَبَةٍ مِنْها؛ مَتى استَقامَتِ الأولَى وَوَافَقَتْ فِِي سَيْرها أَمْرَ الله شَرعًا؛ وسُنَّتَهُ كَوْنًا وقَدَرًا.
وهذا اللوْنُ مِنَ التَّفْكيرِ هُوَ الذي يُوَلِّدُ العَجْزَ!، ويَؤولُ بِنا إلى ما لا غِنَىً فِيه، حَتى يُخَيَّلَ إلَيْنا أنّنا كما تَقُولُ العامَّةُ في أمثالِها (أتَيْنا بالذئبِ مِنْ ذيلِهِ!) ونَحْنُ نُقَدِّمَ لِفِلَسْطينَ وَأبْنائِها الأَغْطِيَةَ واللُّحُفَ؛ وقَوارِيرَ الدواءِ الأُورُوبِيَّةِ المُسْتَورَدَة؛ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أو مَرَّتَين!!.
ومِنْ اسْتِشْعارِ الاسْتِضْعافِ!؛ ودَعْوى العَجْزِ عَنِ الواجِباتِ ما هُوَ أعْظَمُ مِنَ الفَجُورِ إثْما؛ حتَّى وإن ارْتَدَى ثِيابَ الصلاحِ والنُسكِ!، لأنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبابِ هَلاكِ الأُمَمِ وتَسَلُّطِ الأَعْداءِ عَلَيْها!، ومِنْ هذا القَبيلِ كَلامُ (وِلْ ديُورانْت) عَنْ تارِيخِ الهِنْدِ إذْ يَقُول: وفي هذا سرُّ التاريخِ السياسِيِّ للهِنْدِ الحديثَة؛ فقَدْ مَزَّقَها الانْقِسامُ حَتى جَثَتْ أمامَ الغُزاةِ؛ ثم