الصفحة 71 من 159

بَينَ الذِّكْرَياتِ والعَمل:

ونَحنُ لا نَريدُ أن يَبقَى حدُيثُنا عَنْ فِلَسطِينَ اجْتِرارًا للماضِي فَحَسْبُ!، ولا اسْتِعْراضًا للحَوادِثِ حَتى كَأَنَّنا نُسَخٌ مِنَ الصحُفِ أو إِعادَةٌ لِتَقارِيرِ الأخْبار!، ولا أنْ يَكُونَ حَدِيثُنا عَنْها الخُطَبَ الحَماسِيَّةَ التي مَلَّها الناسُ ومَجَّتْها أَسْماعُهم!!؛ تَزْدادُ جَذْوَتُها عِنْدَ تَجَدِّدِ الحوادِثِ كَحوادِثِ غزَّةَ الأخيرَةِ!؛ ثمَّ لا تَلْبَثُ العَواطِفُ أنْ تَخْبُوَ في زَحْمَةِ الحَياة!!.

ولَيْسَتْ غايَتُنا تَحْلِيلَ ما يَجْرِي والنَّظرَ فِيما لَنا وما عَلَيْنا دُونَ أنْ نتَعَدَّاهُ إلى غَيره!؛ وإلاّ كُنَّا كَمْنَ جَمَعَ أَدَواتِ البِناءِ ثمّ لمْ يَنْتِفِعْ بِشيءٍ مِنْها وراحَ وتَرَكَها!.

جَميلٌ أنْ نَرْبِطَ أَجْيالَنا بِتارِيخِها، بل ذلكَ واجبٌ مِنْ واجِباتِنا؛ لأنَّ الأمَّةَ بلا تاريخٍ شَجَرَةٌ بلا جُذُورٍ أو بِناءٌ بلا أَساس، والتاريخُ عامِلٌ تَرْبَوِيٌَ مُهِمٌ فِي نُهُوضِ الهِمَمِ وَمَضاءِ العَزائمِ والتصْمِيمِ عَلى بُلُوغِ الغايَةِ والثباتِ على الطريقِ مَتى اسْتُخْدِمَ عَلى الوَجْهِ الصحيحِ، وقدْ قيلَ: تَجاربُ المتَقدِّمينَ مَرايا المُتَأَخِّرين!.

ومَنْ ذا الذي يُنازِعُ فِيما لِفَلَسْطِينَ مِنَ المَكانَةِ والمَنْزِلَةِ في قَلْبِ كُلِّ مُسْلم؟!، وفي أنَّ لَها تاريخًا عَريقًا مُنْذُ فَجْرِ الإسلامِ يَحْفَلُ بأخْبارِ أعْلامِها وعُلَمائِها وصالِحيها؛ لَو أُفْرِدَ بالتصْنِيفِ لَجاءَ فِي مُجلَّداتٍ كثيرَة!، بَلْ إنَّ تارِيخَ غَزةَ وَحْدَها بِحَسْبِ ما وَقعَ لِي منَ التتبُعِ والاسْتِقْراءِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَجيئَ في نَحْوِ سَبْعِ مُحَلَّداتٍ أو ثمانِيَة!، وفِي أَنَّها الأرضُ المُبارَكَةُ التي ذكِرتْ في القرْآنِ في مَواضِعَ كثيرة؛ وذُكرَتْ في السنَّةِ كذلكَ فيما وَرَدَ من الأحاديثِ في فَضائِلِ بلادِ الشامِ وهِي كَثيرَةٌ أفْردَها بالتصْنِيفِ منَ العلَماءِ ابنُ رجَبٍ الحنْبَليُّ؛ وأبو الحسنِ الرَّبَعِيُّ؛ وأبو سعْدٍ السمْعانِيَُ؛ ومُحَمَّدُ بنُ عَبدِ الهادِي؛ وغيرُهم رَحِمَهم الله، وفِلَسْطِينُ مِنْ بِلادِ الشام؛ بل ذكرَ الإصْطَخْريُّ في (المسالكِ والممالكِ) ؛ والحِمْيَرِيُّ في (الروضِ المِعْطار) أّنها أَزْكى بِلادِ الشام؛ وقال الأولُ: وآخِرُ مُدنِ فِلَسطينَ مِمَّا يلي مِصْرَ مَدينَةٌ يقالُ لها غَزة، وفِي (خَرِيدَةِ العجائِبِ) لابْنِ الوَرْدي: أنَّ الشامَ خَمْسُ شاماتٍ؛ فالشام الأولى فِلسطينُ ونَواحيها، فَغَزَّةُ على هذا مِنْ جُمْلةِ بلادِ الشامِ وهِي مِن الأرْضِ المُبارَكةِ التي ذًكِرَتْ في القرآنِ الكريم!؛ والعَرَبُ لا تَعْرِفُ بَينَ مِصْرَ والعِراقِ غَيرَ الشام!؛ وهذا يُغْنِي فِي فَضْلِها وفَضْلِ سُكناها عَنْ بَعْضِ الأحاديثِ التي ورَدتْ في فَضْلِ غَزة ولا يَصحُّ منها شَيءُ وتَحْرُمُ نِسْبِتُها إلى رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها مَكذوبَةٌ عليه، كحديثِ: لولا رَملٌ بَينَ غَزَّةَ وعْسقَلانَ لَعَنْتُ الرمل!، وحديثِ: أُبَشِّرُكم بالعَرُوسَينِ - أو طُوبَى لِمَنْ أسكَنَهُ الله أحدَ العَرُوسَينَ - غَزَّةَ وعَسقلان!.

غَيْرَ أنّ هذا كُلَّهُ لَنْ يَرُدَّ الحقَّ إلى صَاحِبِهِ؛ بلْ هُوَ فِي مِيزانِ المَعْرَكَةِ كَحِلْيَةِ السَّيفِ مَعَ السيف!!؛ وما عَسَى الحِلْيَةُ أنْ تُغْنِيَ عن صاحِبِها ما لَمْ يُقارِنْها الحُسامُ المُهَّنَّدُ؟!!.

غَيْرَ أَنَّنِي أُلْقِي إلَيكَ خِطامَ الأمْرِ وزِمامَهُ؛ فَأَلْقِ إليَّ السمْعَ حاضِرَ الذهِنِ يَقِظَ الفُؤاد:

إنَّ فُرْقانَ ما بَيْنِ الكَدِّ والراحَةِ في هَذا الطريقِ عَزِيمَةٌ وهِمَّة!؛ وهُما ضَرِيبَتانِ لا بُدَّ مِنْ واحِدَةٍ مِنْهُما؛ إما العِزَّةُ والكرامَةُ في الدنْيا والآخِرَةِ ودُونَها بَذْلُ النفْسِ والنَّفِيس، وإما الحالُ الذي نَراهُ عافَانا اللهُ والمُسْلِمينَ مِنه.

ومَنْ يَتَهَيَّبْ صُعُودَ الجِبا ... ل يَعِشْ أبدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفر!

إنها لَيْسَتْ بالأمَانِيِّ!؛ لكِنَّها الأَقْوالُ التي تُجَنِّدُ الأعْمالَ؛ والأعْمالُ التي تَصَدِّقُ الأَقْوال!، ومَنْ صَدَقَ اللهَ صَدَقه.

وانْظُرْ إلى أُمَّةِ اليَهُودِ أبادَها اللهُ؛ وَهِيَ أذَلُّ مِنَ النَقَدِ (والنَّقَدُ بِفَتْحَتَيْنِ: صغارُ الغَنَم) ؛ وأصْبَرُ على الهَوانِ مِنَ الوَتَدِ!!؛ كَمْ بَذلَتْ مِنَ العَمَلِ والزَمَنِ في ابْتلاعِ فِلَسطِين؟!!.

وهَلْ حَصَلَ لَها ذلكَ بالأَرْقامِ والقراراتِ؛ أَو بالشِّعاراتِ والهُتافَات؟!؛ أمْ سَطَتْ عَلَيها سَطْوَةَ الذئبِ عَلى الشاةِ علَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنَ الراعِي؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت