الصفحة 56 من 159

وكذلك ما سَمّاهُ الشاعِرُ المَعروفُ أحمدُ مطر ب (الشايِ المُقَطّر) !؛ والذي يقول فيه:

وهْوَ مَشْرُوبٌ لدى الأشرافِ! مَعروفٌ ومُنْكَرْ

يَجْعلُ الديكَ حِمارًا! وبياضَ العينِ أحمرْ!.

الميزان؟!

على أَنّ المَعْهودَ بينَ المصنِّفينَ والكُتابِ - والشيءُ بالشيءِ يُذْكَرُ - تَسْمِيَةُ الكتُبِ والمقالاتِ بَعدَ الفراغِ من كِتابَتِها؛ ولَئِنْ خالَفْتُ ذلكَ في هذا (المَجْلِسِ) فَلَقدْ أجازَهُ جماعَةٌ من العُلَماء؛ وأجابُوا عنه بِوُجُوهٍ مُخْتَلِفة، ولا ضَيرَ فإن الكاتِبَ حينَ يعْزِمُ على الكِتابَةِ في أَمْرٍ ما يَسْتَحْضِرُ له صُورَةً كُلِِِّيَّةً في الذهنِ أولًا؛ ثم يُحاولُ النقشَ على مِثالِها ثانيًا، وهكَذا وقعَ لي هُنا!؛ حينَ عَنَّ لِيَ الحديثُ عن (رِجالِ الدهر) ، مَعَ التنْبِيهِ على ما تُشْعِرُ بِهِ النِسْبَةُ بين المُضافِ (رجال) والمُضافِ إليه (الدهر) مِنَ القِلَّةِ والنُّدْرَةِ المُشْعِرَتَينِ بالتعْظيم!، ولا يُمْكِنُ مع هذا حَملُ المَعْنَى على شَارِبِي الشايِ ولا القَهوة؛ لأنّهم عَديدُ الرملِ والحَصى في كلِّ عَصرٍ ومِصر!، والمَدْحُ إنما يَقعُ على الوصفِ الذي يَخْتَصُ به المَمْدُوح لا على وَصْفٍ تَشْتَركُ فيه الخَلائق.

وحَتَّى وإن سَادَتْ بينَ الناسِ مَوازِينُ أُخْرى في أيامِنا هذهِ؛ وآضَتِ الرُّجُولَةُ في الغالِبِ إلى ما لَمْ يكنْ في الحسبانِ؛ فأرْجَلُ الناسِ أكبرُهم (كَرِشًا) مَثَلًا!؛ أو أكثرُهم تَطبِيقًا لِكُتِبِ فَنِّ الطبْخِ!؛ الذينَ إذا نَزلُوا ساحاتِ الموائدِ كانُوا أولَ الوارِدينَ وآخرَ الصادِرين!، أو الذينَ استَبْدَلُوا الحَسْناواتِ بالحَسَناتِ فلا يَهْجَعُونَ مِنَ الليلِ إلا قَليلًا عِنْدَ نِهايَةِ السحَر!، فكلُّ هؤلاءِ في دُخُولِهم في التعريفِ المُشارِ إليهِ بالإضافَةِ نَظرٌ وأيُّ نظر!.

ولو تَبِعْنا ما اسْتَحْدَثَهُ الناسُ منَ الموازينِ لعَددنا في (رِجالِ الدهر) (الموسِيقِيِّينَ السودَ) مَثَلًا!؛ الذينَ أنشَؤوا ما يُسَمَّى ب (موسيقى الكآبَةِ والإيقاع) في أمريكا قبلَ وأثناءَ الحربِ العالميّةِ الثانية؛ حيث حصلَ تغيُّرٌ كبيرٌ في التركيبَةِ السكَّانِيَّةِ هناك بِسَببِ هجرةِ مئاتِ الآلافِ من السودِ من الجنُوِبِ الريفيِّ إلى وسَطِ الغربِ والمنطقةِ الشماليةِ الشرقيَّةِ ومُدُنِ الساحلِ الغربيَّةِ!؛ في الوقتِ الذي رافقَ هذه التغيُّراتِ تَطَوُّرٌ في اختِراعِ (القِيثَارَةِ الكَهْربائيَّةِ) في أواخِرِ الثلاثيناتِ؛ وتطورٌ في صناعَةِ الاسطواناتِ المُمَغْنَطَةِ!؛ ثم البثُّ الإذاعيُّ الذي وُجّهَ للسودِ في عامِ (1948) .

ومِن أشهرِ هؤلاءِ (الموسيقيين) ( louis jordan) في ثلاثينات القرنِ الماضي؛ الذي طَوَّرَ (رَقْصَ المُرَاوَغَةِ: shuffle boogie) !!، ثم ( b.b.king) الذي مارسَ الفنَّ عالَميًّا أكثرَ من خَمسينَ سنةً!!؛ ثم (( chuck berryx الذي بدأتْ شُهرتُهُ في الخمسيناتِ وحصَّلَ شُهرةً واسعة!!؛ ثم( little Richard) الذي أثارتْ أَغانيهِ رُوحَ التمرُّدِ في الشبابِ الأمريكيِّ مُدَّةً من الزمن!!، ومُرُورًا ب (( Issac Hayes الذي وَصَلَ ذُرْوَةَ الشهْرَةِ عامَ(2002) !!، وانْتِهاءً بِمَجْمُوعَةِ (عَدُوِّ المُجْتَمَع: public enemy ) والتي شُكِّلَتْ عامَ (1987) وركزتْ على أهدافٍ سِياسيَّةٍ واجتِماعِيَّةٍ؛ وحاوَلتْ تَفادِيَ الأغراضِ التجارِيَّة!!.

ويَلْزَمُنا عدُّ (المُمَثِّلينَ) أيضًا!؛ لا مِنَ المُنْتَسِبينَ إلى أُمَّتِنا فَحَسْبُ؛ وما أَكْثَرَهُم!!؛ بل من غَيْرِنا من الأًمَمِ أيضًا!، فإنهمْ يَزعُمونَ أن التمْثِيلَ ظاهِرَةٌ ثَقافيَّةٌ عالميةٌ!؛ تتعلَّقُ بالتطويرِ الطبِيعِيِّ للخَيالِ، وأن السيْطَرَةَ على العَواطِفِ هي أساسُ الإبداعِ فيه!؛ وهو بهذا يختَلِفِ عن الرسامِ والنّحّاتِ والمُلَحِّنِ والرِّوائِيِّ!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت