وتَعَيَّنَ على الإنسانِ بل على البَشريةِ كُلِّها أنْ تَرْجِعَ إلى مِيزانِ قِسطٍ وعَدْلٍ لا يَتَأَثَّرُ بِما تَتَأثَّرُ بهِ الموازِينُ البَشَرِيَّةُ المُخْتَرَعَةُ مِنَ المُيُولاتِ النّفْسيَّةِ والأهواءِ القَلْبِيَّةِ.
ومِنَ العَبَثِ بلا مِرْيَةٍ ولا رَيبٍ أنْ يُفْتَرَضَ مُجْتَمَعٌ بَشَريٌّ يَتَّفِقُ كُلُّهُ على قَانُونِ عَدْلٍ ومِيزانٍ يَفْصِلُ بَيْنَ الحقِّ والباطِلِ؛ ويُعْطِي كُلَّ ذي حَقِّ حَقَّهُ ويُنْزِلُ كُلاًّ مَنْزِلَتَهُ دُونَ أن يَكَونَ إلهِيًّا سَماوِيّا، لأنَّ بِناءَ الإنسانِ عَلى النقْصِ كما قَدْ عَلِمْتَ؛ وتَفَرَّعَ عن هذا اخْتِلافٌ في المَفاهِيمِ وتَفاوتٌ فِي الأذْواقِ والمَشارب؛ وتَعارُضٌ في القِيَمِ والمَبادِئِ، فَكانَ افْتِراضُ ذلكَ يَعْني افْتِراضَ أُمَمٍ مِنَ البَشَرِ الكامِلِينَ لا يَعْتَرِيهم قُصُورٌ ولا نَقْصٌ؛ بل هُمْ على سَجِيَّةٍ واحِدَةٍ لا تَبايُنَ بينَها ولا تَفاوُتَ؛ ولا تتغَيَّرُ ولا تتبَدَّلُ!!، وذلكَ مُخالِفٌ كُلَّ المُخالَفَةِ للأَمْرِ الكَوْنِيِّ القَدَريِّ في خلْقِ الإنسان!، ولهذا صَرحَ بعْضُ خُبَراءِ القانُونِ بأنكَ لو سألْتَ عَشرَةً من القانُونيينَ عنْ تَعْريفِ القانُونِ فإنَّ عَلَيكَ أن تَسْمَعَ أحدَ عَشرَ جَوابًا!!.
وكُلُّ دَعْوى على خِلافِ ذلكَ فهيَ وَهْمٌ خادِعٌ وسَرابٌ كاذِب، وما صاحِبُها إلاَّ الذئبَ في ثِيابِ الطبيبّ!.
وإلاّ فَهؤُلاءِ اليهُودُ أَحَطَّ أُمَمِ الأَرْضِ قَدْرًا؛ وأخَسُّهمْ طِينَةً؛ المَغْضوبُ عَليهمٍ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ يَدَّعُونَ أرْضَ فِلَسْطينَ وأنَّهمْ أهْلُها وأَحَقُّ بِها!!، فهَلْ يَسْتَقِيمُ اللقَاءُ بَينَ هؤلاءِ المُدَّعِينَ؛ وبَينَ أصحابِ الحَقِّ مِنَ المُسلِمينَ الذين يَعْمُرُونَها بَنُورِ التوحيدِ والإيمان إلا في ذِهْنِ مَنْ يُقالُ فيه: (أَحْمقُ مِنْ جُحا) !.
وهلِ الدَّعْوةُ إلى هذا وأمْثالِهِ إلا مِنْ قَبيلِ الدعْوةِ إلى طَحْنِ الدُّرِّ والبَعْرِ وخَلْطِهما وعَجْنِهِما في كُتْلَةٍ واحِدة!.
شَهادَةُ مُهَنِدِسِي الحَياةِ على حِمارٍ مَقْطُوعِ الذيلِ والأُذُنَيْنِ!.
ولقدْ وَصَفَ كثيرٌ مِنَ الكُتابِ والباحِثينَ دِراسَةَ القانُونِ في القَرْنِ العِشرينَ بأَنَّها الهَنْدَسَةُ الاجْتِماعِيَّةُ!؛ والتي سَيتَمَكَّنُ خَبَراءُ القانُونِ بِزَعْمِهمْ عَنْ طِريِقِها مِنْ وَضْعِ قَوانِينَ ثَابِتَةٍ للحَياةِ الإنسانِيَّةِ كالتي يَضَعُها المُهَنْدِسُ لآلاَتِهِ!؛ غَيرَ أنَّ الجَمَلَ تَمَخَّضَ في هذه المَرَّةِ لا لِِيَلِدَ فَارًا كما يُقالُ؛ بلْ ولَدَ عُتْعُتًا (وهو ولَدُ الحِمار!؛ ويُقالُ له في اللغَةِ الجَحْشُ و التَّوْلبُ والتِّلْوُ والعَفْوُ بِتَثْلِيثِ العَيْنِ) مَبْتُورَ الذَّنَبِ مَجْدُوعَ الأنْفِ ذاهِبَ العَيْنَينِ أَسَكَّ الأُذُنينِ!!؛ واعْتَرَفُوا - ويالَهُمْ مِنْ مُهْنْدسِين! - بالعَجْزِ عن التَّوَصُّلِ إلى مِعْيارٍ قَانُونِيٍّ تَتَّفِقُ الأُمُمُ عليه!!.
وكانَ الكِبارُ مِنْ فَلاسِفَتِهِمْ مِنْ أمْثالِ (كَانْتَ الألمانِيِّ؛ المُتوفّى سنَةَ: 1804) الذي أسّسَ المَذهَبَ النقْدِيَّ في الفَلْسَفِةِ الحَدِيثَةِ وحاوَلَ التوْفيقَ بين الاتِّجاهِ العَقْلِيِّ والحِسِّيِّ في الفَلْسَفَةِ قدْ اعْتَرفَ بأن المُشْكِلَةَ الكُبْرَى للنَّوْعِ الإنْسانِيِّ هيَ الوُصُولُ إلى مُجْتَمَعٍ مَدَنِيِّ يَحْكُمُهُ قَانون!!، لكِنَّ مُحَاوَلاتِ المُهندِسينَ! انْتَهتْ إلى الفَشَلِ؛ بل اعْتَرَفَ كِبارُ القانُونِيينَ مِنْ أمْثالِ (فُولَر) L.L.) (Fuller بِأَنّ(القانُونَ لَم يكشفْ عَنْ نفسِهِ بعدُ!) ؛ و (فولر) هذا هو الذي وَضَعَ كتابًا أسماهُ: (القانونُ يَبْحَثُ عَنْ نفسه، The Law in Quest of Itself) !.
واعْتَرَفَ القانُونِيُّ ( G.W. Paton) بأنّ السبيلَ الوَحِيدَ للوُصُولِ إلى مَعَايِيرَ مُتَّفَقٍ علَيْها للقانُونِ هو الاعْتِرافُ بالوحي السماوِيِّ قانُونا!.
وهذا - والأُمورُ تُذْكَرُ بِنَظائِرها - يُثْبِتُ فَشَلَ نَظَرِيَّةِ التَّطَوُّرِ الذي حَاوَلَ جَمْعٌ مِنَ الفلاسِفَةِ المُتأَخِّرينَ مِنْ أمْثالِ الإنْجِليزِيِّ (هَرْبرتْ سبِنْسَرْ) فَرْضَ سُلْطانِها على الأصولِ والمبادِئِ والأخْلاقِ والقِيَمِ؛ وهُمْ بِذلكَ يُريدُونَ جَرَّ أَذيالِها على الدينِ والعَقِيدَةِ والشريعَةِ؛ تَحْتَ زَعْمِ أنَّ المُجْتَمَعَ الإنْسانِيَّ جَاوَزَ الطُفُولَةَ إلى الرَّشْدِ!!، وأنَّهُ يَسْتَطِيعُ الاسْتِغْناءَ عَنِ خَالِقِهِ وهِدَايَتِهِ وشَرْعِهِ!؛ وهِيَ نِحْلَةٌ مُنْتَزَعَةٌ مِنْ نَظَرِيَّةِ (دَارْوِنَ) الإلْحادِيَّةِ في النَّشوءِ والارْتِقاءِ للكائِنِ الحيِّ؛ جُعِلَتْ قَانُونًا اجْتِماعِيًّا!.