الصفحة 47 من 159

وكُلُّ ما سَبَقِ مِنَ الأخْبارِ التي جَمَعْناها عنهُ مِنْ عَشَراتِ المَصادِرِ - وكَثيرٌ مِنْها مِنْ غَيرِ مَظَانِّهِ - فَإنَّما هِيَ لِمَنْ عُرِفَ بَينَ الناسِ باسمِ (جُحَا) ؛ وأَبو الغُصْنِ كُنْيَتُه؛ ودُجَينُ اسْمُهُ؛ والذي يَضْرِبُ الناسُ بهِ المَثَلَ في الغَفْلَةِ والحَماقَةِ تارَةً فيقولونَ: أَحْمَقُ مِنْ جَحا!، ويَجْعَلُونَهُ مِثالًا للدهاءِ والفطْنَةِ تارَةً أُخْرى كما في كَثِيرٍ مِنْ أخباره!.

وأعْلى ما وَجَدْتُ مِنْ ذكرِ (جحا) وَنَوَادِرِهِ ما قرَاتُهُ في كتابِ كشفِ النِّقابِ لابنِ الجوزي نقلًا عن حاشِيَةِ مَخْطُوطَةِ الكتابِ منْ أنه وُجدَ بخطِّ الحافِظِ ابنِ ناصِرِ الدينِ الدِّمَشْقِيِّ ما يَلي: حَدّثَ اسماعيلُ الصفَّارُ بِسَنَدِهِ إلى قَبيصَةَ بنِ عُقْبَةَ قال: اجْتَزْتُ بِجُحا وهو جالِسٌ على الطريقِ يأكلُ خُبْزًا؛ فقلتُ له: يا أبا الفضلِ تُجالِسُ جَعْفَرَ بنَ مُحمدٍ وتأكلُ في الطريق؟!؛ فقال: حدثني جَعْفَرُ بن محمد عن نافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلمَ قال: مَطلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ - (والمَطْلُ: تأخيرُ الحقِّ عن صاحِبه) -؛ فطالَبَتْنِي نَفْسي بالمأكولِ؛ وخُبْزي في كُمِّي؛ فلم أُحِبَّ أنْ أَمْنَعَها فأمْطُلَها فَأَلْقَى الله ظالِمًا!!.

والعَجَبُ في أنّ أكثرَ النوادِرِ تُنْسَبُ إليهِ مَعَ وُجودِ غَيرهِ مِنْ أصحابِ النوادِر مِنْ أمثالِ: ابنِ أبي عَتيق؛ وأشعَبَ الطمع؛ وأبي العَنْبسِ؛ وابنِ الْجَصّاصِ مَزْيَدَ المَدَنِيِّ، وغيرِهم؛ كما في صبحِ الأعْشى للقَلْقَشَنْدي.

وكذا الحمقى؛ من مِثل: أزهرَ الحمّارِ الأحمقِ، وأبي مُحمَّدٍ الصَّيدَلانِيِّ الأحْمقِ، وغَيرِهم، كما في أخبار الحمقى لابنِ الجَوزي!.

وكُلُّ ذي دُعابَةٍ جُحا:

هكذا رأيْتُ الناسَ يَصْنَعُون!؛ ففي (إنباءِ الغَمْرِ) لابنِ حَجر رحمه الله تَرْجَمةٌ لأحدِ خَواصِّ الأشرافِ والذي ماتَ مسجونًا في قَلْعَةِ (صَفَدٍ) من أرضِ فِلَسطينَ في سَنةِ (847) ، وقال عنه السخاوِيُّ في الضوْءِ اللامِعِ: كانَ فيه خِفَّةُ رُوحِ ومُجونٌ ودُعابةٌ؛ فلقَّبَ جُحا!.

ولُقِّبَ به أيضًا: محمدُ بنُ إبراهيمَ الخانكي، ويونسُ بنُ حُسَيْنٍ الواحِيُّ الجَزار، كذا في الضوء اللامعِ المذكور، وفي كَتُبِ التراجِمِ كثيرٌ مِنْ هؤلاءِ لا نَطيلُ بِذِكْرِهم.

ومِنَ الطرائفِ المَنْسُوبَةِ إلى بَعْضِ هؤلاءِ مَثَلًا: ما في الدُّرَرِ الكامِنَةِ لابنِ حجر؛ وأعيانِ العَصْرِ للصَّفديِّ؛ في أخبارِ أحمدَ بنِ محمدٍ بنِ الحريرِيِّ وكانَ شَكِلًا ضَخمًا مُفْرِطَ السِّمَنِ له نوادِرُ مُضْحكةٌ من نَمَطِ ما يُحْكَى عن جُحا!.

حكاية:

كان السلطانُ قد عَيَّنَ أحمدَ المذكورَ مُدَرِّسًا في المَدْرَسَةِ الصالِحيَّةِ؛ فدَخلَ أَحْمَدُ المدرَسَةَ مَرّةً ورأَى الشيخَ نَجْمَ الدينِ القَحْفازِيَّ خارِجًا مِنْ مَحلِّ الطَّهارَةِ (بيت الخلاء) ؛ فقالَ له أحمدُ: يا مَولانا!؛ آنَسْتُمْ مَحَلَّكُم!!، فقالَ له الشيخُ: قَبَّحَكَ الله!.

حِكايَةُ الحكايات:

وأَخالُكُ - كانَ الله لي ولك - فيما أَصْنَعُهُ مِنَ الاسْتِطْرادِ والتطْويلِ في (مُسامَراتِنا) هذه بينَ مُؤَيِّدٍ يَرَاها فُرْصَةً سانِحَةً لاقْتِناصِ ما أَمْكنَ مِن فَرائدِ الفوائدِ!؛ ومُعارِضٍ يُرَجِِّحُ جانِبَ الاخْتِصارِ في زَمَنِ الاخْتِصار!، وبينَ هذا وذاك آراءٌ وآراءٌ!، ولله الحِكْمَةُ البالغة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت