الصفحة 39 من 159

قُلْتُ: نَحْنُ المُسْلُمُونَ مُوَحِّدُونَ في عُبُودِيَّتِنا للهِ تعالَى وَحْدَهُ لا شَريكَ له، فَهَذا البابُ الذي لا يَجُوزُ فِيه التَعَدُّدُ البَتَّةَ!؛ بلِ القَوْلُ بالتعَدُّدِ فِيهِ شِرْكٌ مُوجِبٌ لعَذابِ اللهِ عافاناَ اللهُ منْ ذلكَ، وكُلُّ ما سِوى هذا فِي الكَوْنِ فالأصْلُ فيهِ التعَدُّدُ، ومِنَ اللطائِفِ أنَّ بَعْضَهُمْ قالَ في حَضْرَةِ بعْضِ العُلماءِ وقَدْ ذُكِرَ تَعَدُّدُ الزوجات: نَحْنُ مُوَحِّدُونَ يا شَيْخُ!!؛ فقالَ الشيخُ مازِحًا: هَذا تَوْحِيدُ الجُبَناءِ!.

وأمَّا أَنَّ التعَدُّدَ أَفْضَلُ بِشَرْطِهِ مَعَ القُدْرَةِ عَليه؛ فَنَعَمْ؛ والآيَةُ التي أباحَتْهُ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ أفْضلُ بأَنواعٍ مِن التَنْبِيهاتِ ولطائفِ الإشارات، وهُو مِمَّا يُمْتَدَحُ بِهِ شَرْعًا وعادَةً لدَلالَتِهِ عَلَى كَمالِ الرجُولَةِ؛ وحَكَى القاضِي عِياضُ في الشفاءِ الاتِّفاقَ عَلَى أنَّ التعَدُّدَ أفضَلُ من الاقْتِصارِ على الواحدة.

وفي التَّنْزيلِ قَوْلُهُ تعالَى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} .

فَتَأَمَّلْ ما فِي هذه الآيةِ مِنَ اللطائِفِ:

أولُها: قولُهُ: ما طابَ لَكُمْ؛ ثُمَّ فَسَّرَهُ مَثْنَى وثُلاثَ ورُباعَ، ولَمْ يَذكُر الواحِدَةَ فِي النوْعِ الطَّيِّبِ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّها مِن غَيرِ الطَّيِّبِ، يَعْنِي إذا ما قُورِنَتْ بالثِّنْتَيْنِ فَما فَوْقَها.

وثانِيها: أنَّ العَدَدَ ذُكِرَ عَلى سَبيلِ التَّرَقِّي مِن الأطْيَبِ إلَى ما هُوَ أَطْيَبُ مِنهُ، فالثلاثُ أطْيَبُ مِن الثنْتَينِ؛ والأرْبعُ فَوقَ ذلكَ كُلِّهِ.

وثالِثُها: أنَّ الاكْتِفاءَ بِالْوَاحِدَةِ جُعِلَ مَعَ خَوْفِ عَدَمِ العَدْلِ!؛ وخَوْفُ عَدَمِ العَدْلِ مَنْقَصَةٌ فِي الزجالِ، خاصَّةً إذا عَلِمْتَ أنَّ العَدْلَ إنما يَجِبُ فِي النَّفَقَةِ والمَبِيتِ؛ لا فِي المَيْلِ القَلْبِيِّ فِإنَّهُ مِمَّا لا يُمْلَكُ، والمَعْنَى إن تَحَقَّقْتُم مِن أنْفُسِكُمْ العَدْلَ الذي هُوَ مِن صِفَةِ أقْوياءِ الرجالِ فلا تَكْتُفُوا بِواحِدَةٍ، بل انْكِحُوا ما طابَ لكُمْ مِنْهُنَّ.

ورابعُها: أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الواحِدَةِ وبَيْنَ مِلْكِ اليَمِينِ، والتخْييرُ بَيْنَ شَيئَيْنِ مُشْعِرٌ بالمُساوَاةِ بَيْنَهُما، فَكما أنَّ الإماءَ أقَلُّ تَبِعَةً وأَخَفُّ مُؤْنَةً مِن المَهائِرِ؛ أَكْثَرْتَ مِنْهُنَّ أمْ أَقْلَلْت، عَدَلْتَ بَيْنَهُنَّ أمْ لَمْ تَعْدِل؛ فكَذلكَ الشانُ مَعَ الحُرَّةِ الواحِدَةِ، لا يُحْوِجُكَ الاقْتِصارُ عَلَيْها إلَى شَيءٍ مِن تَكالِيفِ العَدْلِ.

وفِي النكاحِ فَوقَ تَكْثيرِ الذرِّيَّةِ تَكْثِيرُ الأجْرِ بالنَّفَقَةِ، ونَفَقَةُ الثنْتَيْنِ أكْثَرُ من نَفَقَةِ الواحِدَةِ؛ فالأجْرُ فِيها أعْظَمُ إن شاء الله؛ ومِمَّا يَدُلُّ على فَضْلِ التعَدُّدِ أنَّهُ لَمْ يُذكُرْ فِي أَعْمالِ الزُّهْدِ الرغْبَةُ عَن النساءِ، بلْ كانَ سَيِّدُ الزَّهادِ صلَواتُ اللهِ وسلامُهُ علَيْهِ مُكْثِرًا مِنْه، وقَالَ فِيما صَحَّ عَنْهُ مِن حَديثِ أَنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه: حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْياكُمُ النسَاءُ والطٍّيبُ!؛ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ، وتَأَمَّلْ كَيْفَ قال: مِنْ دُنْياكُمْ!!؛ ولَمْ يَقُلْ مِنْ دُنْيايَ، فَدَلَّ على أنَّهُنَّ إنَّما حُبِّبْنَ لَهُ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ علَيْهِ لأمْرٍ دينِيٍّ أُخْرَويٍّ لا لأَمْرٍ مِن أُمورِ الدُّنْيا، ولِذَا قالَ سَهْلُ بنُ عَبْدِ اللهِ: حُبِّبْنَ إلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ فَكَيْفَ يُزْهَدُ فِيهِنّ!!، وقالَ بَعْضُ العلماء: كُلُّ شَهْوَةٍ تُقَسِّي القَلْبَ إلا شَهْوَةَ الجماعِ فإنَّها تُصَفِّيهِ، وهذا صَحِيح؛ بلْ ثَبَتَ في الطِّبِّ أنَّ تَرْكَهُ بالكُلِّيَّةِ يُورِثُ الأمْراضَ البَدَنِيَّةَ والنَّفْسِيَّةَ، كَما أنَّ الإكْثارَ مِنْهُ فَوقَ الحَدِّ يورِثُ أمراضًا كَذلك.

ولقَدْ قالَ (هِنْرِي دي كاسْتري: henri de cast ry) : إِنَّ الناسَ بَالَغُوا كَثِيرًا فِي مَضَارِّ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، إنْ لَمْ نَقُلْ: إِنَّ مَا نَسَبُوهُ إِلَيْهِ مِنْ ذلكَ غَيْرُ صَحِيحٍ!.

والخُلاصَةُ التِي نَنْتَهِي إِلَيْها مِنْ مُسامَرَتِنا هَذهِ أنَّ مَحارَبَةَ (تَعَدُّدِ الزوجاتِ) مَشْهَدٌ مِن مَشاهِدِ الحَرْبِ عَلَى التِشرِيعِ الإسْلامِي؛ قارَنَ مَرْحَلََةَ الضَّعْفِ والتَّفَكُّكِ التِي مَرَّ بِها العالَمُ الإسْلامِيُّ، وقامَتْ عَلَيْهِ قُوىً تَرَى فِي مَنْعِهِ سَبيلًا إلَى نَشْرِ الرذيلَةِ والفَسادِ، كَما تَرَى فِيهِ قَضاءً عَلى واحدٍ مِن عَوامِلِ القُوَّةِ في العالَمِ الإسْلامِي!، ولا نَعْلَمُ الإسْلامَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت