الصفحة 19 من 159

بِطَاعَتِه، فَمَا تُنْكِرُونَ عَلَيّّ هَذَا وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ عُلَماءِ الْمُسْلِمِينَ؟!؛ فَإنْ دَخَلْتُ بِغَيْرِ هَيْئَتِي وَرَجَعْتُ إِلَى حُكْمِكَ؛ أَهَنْتُ العِلْمَ وَنَفْسِي؛ وَذَهَبَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ جَاهِي!.

فَعَرَّفَ التُّرْجُمَانُ الْمَلِكَ بِذَلِكَ؛ فَقَالَ: دَعُوهُ يَدْخُلُ وَمَنْ مَعَهُ كَمَا يَشاؤُونَ، وَقَالَ للتُّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ قَدْ قَبِلْنَا عُذْرَكَ، وَرَفَعْنَا مَنْزِلَتَكَ؛ وَلَيْسَ مَحَلُّكَ عِنْدَنَا مَحَلَّ سائِرِ الرُّسُل، وَإِنّما مَحَلُّكَ عِنْدَنَا مَحَلُّ الأَبْرارِ الأَخْيَارِ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا صَاحِبُكُمْ فِي كُتُبِهِ أَنَّكَ لِسَانُ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُنَاظِرُ عَنْهُمْ؛ وَأَنَا أَشْتَهِي أَنْ أَعْرِفَ ذَلكَ وَأَسْمَعَهُ مِنْكَ كَمَا ذَكَرُوهُ عَنْكَ.

قُلْتُ: إِذَا أَذِنَ الْمَلِكُ، فَقَالَ: انْزِلُوا حَيْثُ أَعْدَدْتُ لَكُمْ، قَالَ القَاضِي: فَنَهَضْنَا إِلَى مَوْضِعٍ أُعِدَّ لَنَا.

وكانَ القاضِي لَمّا وَصَلَ إلَى مَدِينَةِ الطَّاغِيَةِ، وَعَرَفَ بِهِ وَبِمَحَلِّهِ مِنَ العِلْمِ؛ فَكَّرَ الطاغِيَةُ فِي أَمْرِهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لا يَنْحَنِي لَهُ راكِعًَا إِذَا دَخَلَ عَلَيْه كَمَا جَرَتْ عادَةُ الرَّعِيَّةِ أَنْ تُقَبِّلَ الأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْ مُلُوكِهَا!!؛ فَاسْتَقَرَّ رَايُ المَلِكِ عَلَى أَنْ يَضَعَ سَريرَهُ وَرَاءَ بابٍ قَصِيرٍ لا يُمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْهُ إِلاّ رَاكِعًا؛ لِيَدْخُلَ القاضِي مِنْ ذلكَ البابِ ويَضْطَرَّ إلى الركُوع والانْحِناء!، فَلَمَّا حضَرَ القاضِي وَرآى البابَ؛ تَفَكَّرَ وَأَدَارَ رَاسَهَ وظَهْرَهُ إلى جِهَةِ البابِ؛ وَحَنَى رَاسَهُ رَاكِعًا، وَدَخَلَ مِنَ البابِ يَمْشِي راكِعًا مُسْتَقْبِلًا الْمَلِكَ بِظَهْرِهِ!!، حَتَّى صَارَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثَمَّ رَفَعَ رَاسَهُ؛ وَنَصَبَ ظَهْرَهُ؛ ثُمَّ أَدَارَ وَجْهَهُ إِلَى الملِكِ حِينَئِذٍ؛ فَعَجِبَ مِنْ فِطْنَتِهِ؛ وَوَقَعَتْ لَهُ الْهَيْبَةُ فِي قَلْبِهِ.

وقدْ جَرى بَيْنَهُ وبَينَ ملكِ الرومِ وأعْوانِهِ حديثٌ طويل؛ ومما قالَ لهُ الملك: خَبِّرْنِي عَنْ قِصَّةِ عائِشَةَ زَوْجِ نَبِيِّكُم؟؛ (يُعَرِّضُ بِقِصَّةِ الإفْكِ قاتَلَهُ الله) : فقالَ لهُ الباقِلاّنِيُّ عَلَى البَدِيهَةِ: هُما اثْنَتانِ قِيلَ فِيهِما ما قِيل، زَوْجُ نَبِيِّنا؛ ومَرْيَمُ بِنْتُ عِمْران، فَأما زَوْجُ نَبِيِّنا فَلَمْ تَلِدْ وكانَ لها بَعْل، وأما مَرْيَمُ فَجاءَتْ بِوَلَدٍ ولَيْسَ لَها بَعْل!؛ وقدْ بَرّأَها اللهُ مِمَّا رُمِيَتْ به!؛ فسكَتَ الطاغِيَةُ ولَمْ يَحِرْ جَوابًا، واضطرّهُ أبُو بَكْرٍ إلَى إجْلالِهِ وإعظامِه.

وإلى أخْبارِ مَنْ يُضْرَبُ بهِ المَثَلُ فِي الذكاءِ والفِطْنَةِ والدَّهاء أبِي واثِلَةَ إياسِ بنِ مُعاوِيةَ المُزَنِيِّ المُتَوَفَّى سَنَةَ (122) ؛ كانَ يُقَالُ: يُولَدُ فِي كُلِّ مائَةِ عامٍ رَجُلٌ تامُّ العَقْلِ، وإِياسُ مِنْهم!؛ وحكاهُ في تارِيخِ دِمَشْقَ عن ابنِ شَوْذَبَ، وأخْبارُهُ في الكُتُبِ كثِيرَة، وكانَ يَجْمَعُ في الأكْلِ بَيْنَ الرطَبِ والسُّكَّرِ؛ ويَقُولُ إنَّهُ يَزِيدُ في العَقْل.

وكانَ الجاحظُ يَقُولُ: إياس مِنْ مَفاخِرِ مُضَرَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت